منتدى ثقاقي-اجتماعي-يطمح الى الارتقاء بالقوصيه وتطويرها المنتدى منبر لكل ابناء القوصيه

منتدى ابناء القوصيه يدعو شرفاء اسيوط الى كشف اي تجاوزات تمت من اي من موظفي النظام الفاسد وتشرها في منبرنا الحر
حسبنا الله ونعم الوكيل لقد خطفت منا مصر مره اخري

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

المواضيع الأخيرة

» وفاة صلاح عوض سعيد
الإثنين مارس 24, 2014 12:27 pm من طرف طلعت شرموخ

» وفاة الحاجه فوز بخيت حسانين
الإثنين يناير 13, 2014 8:29 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» قصة الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز .... أكثــر من راااااااااااائعة
السبت يوليو 27, 2013 1:32 pm من طرف ابو يحيي

» بحــث فــي المقابـر الصخـرية في إقليم القوصيـة
السبت يوليو 27, 2013 1:06 pm من طرف ابو يحيي

» مصر والنيل
الإثنين يونيو 17, 2013 11:11 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» سبحان الرزاق
الإثنين يونيو 17, 2013 10:42 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» قطه رائعه جدا :)
الإثنين يونيو 17, 2013 10:38 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا
الإثنين يونيو 17, 2013 10:29 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

»  إرادة الإنسان وإنجازاته عبر التاريخ
الإثنين يونيو 17, 2013 10:22 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» عندما ستخرج من بيتك ستلتقي بصنفين من النساء :
الإثنين يونيو 17, 2013 10:17 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» من كــفر بالله سمي... متحضرا..
الإثنين يونيو 17, 2013 10:15 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» ملك في قديم الزمان كان لديه اربعه زوجات كان يحب الزوجة الرابعه حبا جنونيا ويعمل كل ما في وسعه لارضها
الإثنين يونيو 17, 2013 10:14 am من طرف سيف الدين محمد صلاح

» اكتشاف مدينة مصرية غرقت بأعماق المتوسط
الأحد يونيو 09, 2013 12:38 am من طرف ابو يحيي

» ضبط تشكيل عصابى من ديروط تخصص سرقة بالإكراة لاهالي القوصيه
الجمعة يونيو 07, 2013 12:11 am من طرف طلعت شرموخ

» نيابة القوصية تواصل التحقيقات في اشتباكات مسلمين وأقباط أمام الدير المحرق
الخميس يونيو 06, 2013 12:32 am من طرف ابو يحيي

    أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    شاطر

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:17 pm

    تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

    أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية باختصار
    وقعة بدر الكبرى : و كانت بين المسلمين والمشركين في 17 رمضان من الســـنة الثانية للهجرة .

    غزوة أحد: و كانت بين المسلمين والمشركين في 15 شوال من الســـنة الثالثة للهجرة .

    غزوة الخندق (الأحزاب) : و كانت بين المسلمين والمشركين وأنصارهم من اليهود في السنة الخامسة للهجرة .

    غزوة بني المصطلق من خزاعة: و كانت بين المسلمين والمشركين في الســنة السادسة للهجرة

    صلح الحديبية : و كانت بين المسلمين والمشركين في الســنة السادسة للهجرة

    غزوة مؤتة : و كانت بين المسلمين والروم في الســنة الثامنة للهجرة

    فتح مكة : خرج الرسول من المدينة في 10 رمضان ودخل مكة في 20 منه في السنة الثامنة من الهجرة

    غزوة تبوك: و كانت آخر غزوة لنبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين والروم فس السنة التاسعة من الهجرة .

    حجة الوداع : و كانت فس الســـنة العاشرة للهجرة

    وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم : و كان في يوم الاثنين 12 ربيع الأول من السنة الحادية عشر للهجرة

    فتح الحيرة : و كان على يد قائد المسلمين خالد بن الوليد في السنة الثانية عشر للهجرة

    فتح الأنبار : و كانت بين المسلمين والفرس بقيادة خالد بن الوليد في السنة الثانية عشر للهجرة


    فتح دومة : الجندل على يد قائد المسلمين خالد بن الوليد في السنة الثانية عشر للهجرة


    وقعة اليرموك: و كانت بين المسلمين والروم في السنة الثالثة عشر للهجرة


    فتح دمشق: و كان بعد انهزام الروم في وقعة اليرموك في السنة الرابعة عشر للهجرة

    موقعة القادسية: و كانت بين المسلمين والفرس وبدأت في 15 شعبان من السنة الرابعة عشر ،و كان قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص.


    فتح حمص وبعلبك : وكانت بين المسلمين والروم و كان قائد المسلمين أبو عبيدة عامر بن الجراح في السنة الخامس عشر للهجرة

    فتح بيت المقدس (إيليا) : وقد تم الصلح بحضور عمر بن الخطاب في السنة السادسة عشر للهجرة .

    فتح المدائن : وفيها ايوان كسرى في السنة السادسة عشر للهجرة

    فتح مصر : على يد قائد المسلمين عمر بن العاص في السنة العشرون من الهجرة

    وقعة نهاوند : و كانت بين المسلمين والفرس وقائد المسلمين النعمان بن مقرن في السنة الحادية و العشرون من الهجرة .

    فتح طرابلس: الغرب حيث حاصرها عمرو بن العاص شهراً ثم فتحت في السنة الثانية و العشرون من الهجرة

    فتح خراسان : و كان المسلمون بقيادة الأحنف بن قيس في السنة الثانية و العشرون من الهجرة .

    فتح سجستان: و كان المسلمون بقيادة عاصم بن عمرو في السنة الثالثة و العشرون من الهجرة .

    غزوة الأندلس : و كانت بقيادة عبدالله بن نافع ن الحصين وعبدالله بن نافع بن عبد القيس في السنة السابعة و العشرون من الهجرة .


    غزوة ذات الصواري : معركة بحرية بين المسلمين والروم، و كان قائد المسلمين عبدالله بن سعد بن أبي السرح في السنة الحادية و الثلانون من الهجرة .

    غزوة السند : بقيادة المهلب بن أبي صفرة في السنة الرابعة و الاربعون من الهجرة


    غزوة القسطنطينية : بقيادة سفيان بن عوف في عهد معاوية في السنة التاسعة و الاربعون من الهجرة

    غزو ما وراء النهر : بقيادة المهلب بن أبي صفرة في السنة الثمانون من الهجرة

    غزو مسلمة بن عبد الملك أراض الروم : وقيل أن الذي قام بالغزو هشام بن عبد الملك في السنة السابعة و الثمانون من الهجرة .

    فتح قتيبة بخارى : في السنة التسعون من الهجرة


    فتح طارق بن زياد الأندلس : في السنة الثانية و التسعون من الهجرة


    فتح قتيبة بن مسلم سمرقند : في السنة الثالثة و التسعون من الهجرة


    غزو قتيبة بن مسلم الصين : في السنة الخامسة و التسعون من الهجرة


    حصار مسلمة بن عبدالملك القسطنطينية : حتى افتتحها في السنة الثامنة و التسعون من الهجرة


    فتح المعتصم عمورية : وقيل كان ذلك سنة أربع وعشرين ومائتين من الهجرة


    وايضآآآآآآآآآآآ بعض المعارك ...



    معركة الزاب :إحدى المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي. كانت بين مروان بن محمدالخليفة الأموي وجيش العباسيين بقيادة عبد الله بن علي (11 من جمادى الآخرة 132 ه = 25 من يناير 750 م) و سقطت الخلافة الأموية، وقامت الخلافة العباسية..

    معركةشذونة :جيش المسلمين بقيادة طارق بن زياد ضد رودريقز ملك القوط وجيشه .
    استمرت ثمانية أيام من (الأحد 28 من رمضان إلى الأحد 5 من شوال سنة 29ه- 1149م ) وهي البداية لقيام الاندلس
    .
    معركة بلاط الشهداء : بين الجيوش الإسلامية بقيادة عبد الرحمن الغافقي وبين الجيوش الغربية بقيادة شارل مارتل في جنوب فرنسا في أوائل سنة (114ه = 732م) ,
    هذة من اهم المعارك الفاصلة فى تاريخ الاسلام من الجبهة الاوربية .

    معارك الناصر صلاح الدين ضد الصليبين , المماليك و دحرهم للتتار ( عين جالوت ) بيبرس قلاوون و غيرهم .

    فتح القسطنطينية:على يد محمد الفاتح سنة 1453 م .

    معركة سهول كوسوفو : بين الجيش العثماني بقيادة مراد الأول وبين جيوش تحالف شعوب البلقان في سهول كوسوفو . في عام 1389 و كان النصر للإسلام .

    معركة أنقرة :معركة دارت أحداثها في سهل أنقرة في (19 من ذى القعدة 804 ه = 20 من يوليو 1402م)، بين الجيش العثماني بقيادة السلطان بايزيد، والجيش المغولى بقيادةتيمورلنك.

    معركة جالديران : بين العثمانيين والفرس في (2من رجب 920 ه = 23من أغسطس 1514 م)

    وقائع المعركة : سار الجيش العثماني حتى التقى مع الجيش الفارسي في سهل جالديران. وقد نجح العثمانيون في الانتصار على الفرس؛ بسبب استخدام العثمانيين الأسلحة الحديثة.

    معركة القصر الكبير : بين سلطان المغرب أحمدالرابع وجيشه وبين البرتغاليين .
    وقائع المعركة : في عام 1599 جرت المعركة في القصرالكبير والتي استطاع فيها السلطان من السيطرة التامة على الموقف في هذه المعركة بعدأن كبد البرتغاليين الخسائر في الأرواح والمعدات .

    نتائج الحرب : قتل أكثر من 30 ألف شخص في هذه المذبحة وجلهم من البروتستانت .

    حرب القرم : بين جيش روسيا من جهة، وبين الجيش العثماني بمساندة بريطانيا وفرنسا . قتل أكثر من نصف مليون شخص في هذه الحرب . و انتهت بسلام وافق على شروطه الروس 1855 م .
    * و كانت النهاية نهاية الدولة الإسلامية التي سادت الأرض على انقاض دولتين عظمتين كانتا فى اوج قوتهما الفرس و الروم , و ذلك يظهر من احداث كثيرة نذكر منها ..

    حادث 31 مارس :

    بين جيش الروم بقيادة محمود شوكت باشا وبين الجيش العثماني بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني ...


    غزوة بدر الكبرى :



    نذكر فيه ملخص وقعة بدر الثانية ، و هي الوقعة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق و الباطل و أعز الإسلام ، و دمغ الكفر و أهله ، و ذلك أنه لما كان في رمضان من هذه السنة الثانية بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم أن عيراً مقبلة من الشام صحبة أبي سفيان ، صخر بن حرب ، في ثلاثين أو أربعين رجلاً من قريش و هي عير عظيمة ، تحمل أموالاً جزيلة لقريش ، فندب صلى الله عليه و سلم الناس للخروج إليها ، و أمر من كان ظهره حاضراً بالنهوض ، و لم يحتفل لها احتفالاً كثيراً ، إلا أنه خرج في ثلاثمائة و بضعة عشر رجلاً ، لثمان خلون من رمضان ، و استخلف على المدينة و على الصلاة ابن أم مكتوم ، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر و استعمله على المدينة . و لم يكن معه من الخيل سوى فرس الزبير ، و فرس المقداد بن الأسود الكندي ، و من الإبل سبعون بعيراً يعتقب الرجلان و الثلاثة فأكثر على البعير الواحد ، فرسول الله صلى الله عليه و سلم وعلي و مرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً ، و زيد بن حارثة و أنسة و أبو كبشة موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم و حمزة يعتقبون جملاً ، وأبو بكر و عمر و عبد الرحمن بن عوف على جمل آخر .. و هلم جرا . و دفع صلى الله عليه و سلم اللواء إلى مصعب بن عمير ، و الراية الواحدة إلى
    علي بن أبي طالب ، و الراية الأخرى إلى رجل من الأنصار ، وكانت راية الأنصار بيد سعد بن معاذ ، و جعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة .
    و سار صلى الله عليه و سلم فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني ، و هو حليف بني ساعدة ، و عدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتحسسان أخبار العير . و أما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم و قصده إياه ، فاستأجر ضمضم ابن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد و أصحابه . و بلغ الصريخ أهل مكة ، فنهضوا مسرعين و أوعبوا في الخروج ، ولم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب ، فإنه عوض عنه رجلاً كان له عليه دين ، و حشدوا ممن حولهم من قبائل العرب ، و لم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي ، فلم يخرج معهم منهم أحد .
    و خرجوا من ديارهم كما قال الله عز و جل : بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله و أقبلوا في تحمل و حنق عظيم على رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم ، و قد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي و العير التي كانت معه . فجمعهم الله على غير ميعاد لما أراد في ذلك من الحكمة كما قال تعالى ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا .
    و لما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خروج قريش استشار أصحابه ، فتكلم كثير من المهاجرين فأحسنوا ، ثم استشارهم وهو يريد بما يقول الأنصار ، فبادر سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله ! كأنك تعرض بنا ، فو الله يا رسول الله ، لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله . فسر صلى الله عليه و سلم بذلك و قال : سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين .
    ثم رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم و نزل قريباً من بدر ، و ركب صلى الله عليه و سلم مع رجل من أصحابه مستخبراً ثم انصرف ، فلما أمسى بعث علياً و سعداً و الزبير إلى ماء بدر يلتمسون الخبر ، فقدموا بعبدين لقريش ، و رسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يصلي ، فسألهما أصحابه لمن أنتما . ؟ فقالا :نحن سقاة لقريش . فكره ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وودوا أن لو كانا لعير أبي سفيان و أنه منهم قريب ليفوزوا به ، لأنه أخف مؤونة من قتال النفير من قريش لشدة بأسهم و استعدادهم لذلك ، فجعلوا يضربونهما ، فإذا آذاهما الضرب قالا : نحن لأبي سفيان . فإذا سكتوا عنهما قالا : نحن لقريش . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلاته قال : والذي نفسي بيده إنكم لتضربونهما إذا صدقا و تتركونهما إذا كذبا . ثم قال لهما : أخبراني أين قريش ؟ قالا : وراء هذا الكثيب . قال : كم القوم ؟ قالا : لا علم لنا . فقال : كم ينحرون كل يوم ؟ فقالا : يوماً عشراً ويوماً تسعاً : فقال صلى الله عليه و سلم : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف و أما بسبس بن عمرو و عدي بن أبي الزغباء فإنهما وردا ماء بدر فسمعا جارية تقول لصاحبتها : ألا تقضيني ديني ؟ فقالت الأخرى : إنما تقدم العير غداً أو بعد غد فأعمل لهم و أقضيك . فصدقها مجدي بن عمرو . فانطلقا مقبلين لما سمعا ، و يعقبهما أبو سفيان ، فقال لمجدي بن عمرو : هل أحسست أحداً من أصحاب محمد ؟ فقال : لا إلا أن راكبين نزلا عند تلك الأكمة . فانطلق أبو سفيان إلى مكانهما و أخذ من بعر بعيرهما ففته فوجد فيه النوى فقال : و الله هذه علائف يثرب ، فعدل بالعير إلى طريق السا حل ، فنجا ، و بعث إلى قريش يعلمهم أنه قد نجا هو و العير و يأمرهم أن يرجعوا . و بلغ ذلك قريشاً ، فأبى أبو جهل و قال : و الله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، ونقيم عليه ثلاثاً ، ونشرب الخمر ، و تضرب على رؤوسنا القيان ، فتهابنا العرب أبداً ، فرجع الأخنس بن شريق بقومه بني زهرة قاطبة ، و قال : إنما خرجتم لتمنعوا عيركم و قد نجت ، و لم يشهد بدراً زهري إلا عما مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله : والد الزهري ، فإنهما شهداها يومئذ و قتلا كافرين . فبادر رسول الله صلى الله عليه و سلم قريشاً إلى ماء بدر ، و نزل على أدنى ماء هناك ، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو : يا رسول الله ، هذا المنزل الذي نزلته أمرك الله به ؟ أو منزل نزلته للحرب و المكيدة ؟ قال : بل منزل نزلته للحرب و المكيدة . فقال : ليس هذا بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من مياه القوم فننزله ، و نعور ما ورائنا من القلب ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ، فنشرب و لا يشربون . فاستحسن رسول الله صلى الله عليه و سلم منه ذلك ، وحال الله بين قريش و بين الماء بمطر عظيم أرسله ، و كان نقمة على الكفار و نعمة على المسلمين ، مهد لهم ال أرض و لبدها ، و بني لرسول الله صلى الله عليه و سلم عريش يكون فيه . و مشى صلى الله عليه و سلم في موضع المعركة ، و جعل يريهم مصارع رؤوس القوم واحداً واحداً ، ويقول : هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله ، و هذا مصرع فلان ، و هذا مصرع فلان . قال عبد الله بن مسعود : فو الذي بعثه بالحق ما أخطأ واحد منهم موضعه الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم . و بات رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك ، وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان ، فلما أصبح و أقبلت قريش في كتائها ، قال صلى الله عليه و سلم : اللهم هذه قريش قد أقبلت في فخرها و خيلائها ، تحادك و تحاد رسولك . و رام الحكيم بن حزام و عتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش فلا يكون قتال ، فأبى ذلك أبو جهل ، و تقاول هو و عتبة ، و أمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو ، فكشف عن أسته و صرخ : واعمراه ! واعمراه ! فحمي القوم و نشبت الحرب . و عدل رسول الله صلى الله عليه و سلم الصفوف ، ثم رجع إلى العريش هو و أبو بكر وحده ، و قام سعد بن معاذ و قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله صلى الله عليه و سل م و خرج عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، و الوليد بن عتبة ، ثلاثتهم جميعاً يطلبون البراز ، فخرج إليهم من المسلمين ثلاثة من الأنصار ، وهم : عوف و معوذ ابنا عفراء ، و عبد الله بن رواحة ، فقالوا لهم : من أنتم ؟ فقالوا : من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام و إنما نريد بني عمنا ، فبرز لهم علي و عبيدة بن الحارث و حمزة رضي الله عنهم ، فقتل علي الوليد ، و قتل حمزة عتبة ، و قيل : شيبة ، و اختلف عبيدة و قرنه بضر بتين ، فأجهد كل منهما صاحبه ، فكر حمزة و علي فتمما عليه و احتملا عبيدة و قد قطعت رجله ، فلم يزل طمثاً حتى مات بالصفراء رحمه الله تعالى و رضي عنه .
    و في الصحيح أن علياً رضي الله عنه كان يتأول قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم في برازهم يوم بدر ، و لا شك أن هذه الآية في سورة الحج ، و هي مكية ، و وقعة بدر بعد ذلك ، إلا أن برازهم من أول ما دخل في معنى الآية . ثم حمي الوطيس ، و اشتد القتال ، و نزل النصر ، و اجتهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في الدعاء ، و ابتهل ابتهالاً شديداً ، حتى جعل رداؤه يسقط عن منكبيه ، و جعل أبو بكر يصلحه عليه و يقول : يا رسول الله ، بعض مناشدتك ربك ، فإنه م نجز لك ما وعدك . و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فذلك قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ثم أغفى رسول الله صلى الله عليه و سلم إغفاءةً ، ثم رفع رأسه و هو يقول : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع .
    و كان الشيطان قد تبدى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم زعيم مدلج ، فأجارهم ، و زين لهم الذهاب إلى ما هم فيه ، و ذلك أنهم خشوا بني مدلج أن يخلفوهم في أهاليهم و أموالهم ، فذلك قوله تعالى : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون و ذلك أنه رأى الملائكة حين نزلت للقتال ، و رأى ما لا قبل له به ، ففر و قاتلت الملائكة كما أمرها الله ، وكان الرجل من المسلمين يطلب قرنه ، فإذا به قد سقط أمامه .
    و منح الله المسلمين أكتاف المشركين ، فكان أول من فر منهم خالد بن الأعلم فأدرك فأسر ، و تبعهم المسلمون في آثارهم ، يقتلون و يأسرون ، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين ، و أخذوا غنائمهم . فكا ن من جملة من قتل من المشركين ممن سمى رسول الله صلى الله عليه و سلم موضعه بالأمس : أبو جهل ، و هو أبو الحكم عمرو بن هشام لعنه الله ، قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ، و معوذ بن عفراء ، و تمم عليه عبد الله مسعود ، فاحتز رأسه و أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فسر بذلك . و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة ، و أمية بن خلف ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فسحبوا إلى القليب ، ثم وقف عليهم ليلاً ، فبكتهم و قرعهم ، و قال : بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني و صدقني الناس ، و خذلتموني و نصرني الناس ـ و أخرجتموني و آواني الناس . ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعرصة ثلاثاً . ثم ارتحل بالأسارى و المغانم ، و قد جعل عليها عبد الله بن كعب بن عمرو النجاري . و أنزل الله في غزوة بدر سورة الأنفال ، فلما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصفراء قسم المغانم كما أمره الله تعالى ، وأمر بالنضر بن الحارث فضربت عنقه صبراً ، و ذلك لكثرة فساده و أذاه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فرثته أخته ، و قيل ابنته قتيلة بقصيدة مشهورة ذكرها ابن هشام ، فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فيما زعموا : لو سمعتها قبل أن أقتله لم أقتله .
    و لما نزل عرق الظبية أمر بعقبة بن أبي معيط فضربت عنقه أيضاً صبراً . ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم استشار أصحابه في الأسارى : ماذا يصنع بهم ؟ فأشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يقتلوا ، وأشار أبو بكر رضي الله عنه بالفداء ، و هوي رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر ، فحلل لهم ذلك وعاتب الله في ذلك بعض المعاتبة في قوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * الآيات .
    وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما حديثاً طويلاً فيه بيان هذا كله ، فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم فداءهم أربعمائة أربعمائة . و رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة [ مؤيداً ] مظفراً منصوراً ، قد أعلى الله كلمته ، و مكن له ، و أعز نصره ، فأسلم حينئذ بشر كثير من أهل المدينة ، و من ثم دخل عبد الله بن أبي بن سلول و جماعته من المنافقين في الدين تقية .


    غزوة أحد وقعت في يوم السبت، السابع من شوال في السنة الثالثة للهجرة [1] والتي تصادف 23 مارس 625 م، بين المسلمين في يثرب بقيادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأهل مكة وأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة [2]. كانت قوة المسلمين تقدر بحوالي 700 مقاتل [3] وقوة أهل مكة وأتباعها تقدر بحوالي 3000 مقاتل من قريش والحلفاء الآخرين وكان في الجيش 3000 بعير و200 فرس و 700 درع وكانت القيادة العامة في يد أبي سفيان بن حرب وعهدت قيادة الفرسان لخالد بن الوليد يعاونه عكرمة بن أبي جهل [4].

    تمكن جيش أبي سفيان من تحقيق نصر عسكري بواسطة هجمة مرتدة سريعة بعد نصر أولي مؤقت للمسلمين الذين انشغل البعض منهم بجمع الغنائم وترك مواقعهم الدفاعية التي تم التخطيط لها قبل المعركة وتمكن بعض أفراد جيش أبي سفيان من الوصول إلى الرسول محمد وإصابته وشج أحدهم (وهو عبد الله بن شهاب) جبهته الشريفة واستطاع ابن قمئة الحارثي من إصابت انفه الشريف. يعتقد المؤرخون أن من الأسباب الرئيسية للهزيمة العسكرية للمسلمين هو مغادرة المواقع الدفاعية من قبل 40 راميا من أصل 50 تم وضعهم على جبل يقع على الضفة الجنوبية من وادي مناة، وهو ما يعرف اليوم بجبل الرماة والإشاعة عن مقتل النبي محمد أو صرخة الشيطان التي كان مفادها «ألا إن محمدا قد قتل» [1].

    غزوة الخندق (الأحزاب)

    عقد يهود بني النضير على الانتقام من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوهم من ديارهم من المدينة ، وجعلوا همهم على أن يجعلوا جبهة قوية تتصدى أمام الرسول وأصحابه .

    انطلق زعماء بني النضير إلى قريش يدعوهم إلى محاربة المسلمين ، فنجحوا في عقد اتفاق بينهما . ولم يكتف بنو النضير بتلك الاتفاقية ، وإنما انطلقوا أيضا إلى بني غطفان يرغبوهم في الانضمام إليهم وإلى قريش ، وأغروهم بثمار السنة من نخيل خيبر إذا تم النصر بنجاح .

    وهكذا انطلق جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان بن حرب ، وذلك في السنة الخامسة من الهجرة من شهر شوال .

    لما علم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالأمر ، استشار أصحابه وقادته في الحرب ، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق في مشارف المدينة ، فاستحسن الرسول والصحابة رأيه ، وعملوا به . كما أن يهود بني قريظة مدوا لهم يد المساعدة من معاول ومكاتل بموجب العهد المكتوب بين الطرفين .

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتفقدون سير العمل ، فوجدوا صخرة كبيرة كانت عائقا أمام سلمان الفارسي ، حيث كسرت المعاول الحديدية ، فتقدم الرسول الكريم من الصخرة وقال : " باسم الله " فضربها فتصدعت وبرقت منها برقة مضيئة

    فقال : " الله أكبر .. قصور الشام ورب الكعبة " ثم ضرب ضربة أخرى ، فبرقت ثانية ، فقال : " الله أكبر .. قصور فارس ورب الكعبة " . واستطاع المسلمون إنهاء حفر الخندق بعد مدة دامت شهرا من البرد وشظف العيش .

    بدت طلائع جيوش المشركين مقبلة على المدينة من جهة جبل أحد ، ولكنهم فوجئوا بوجود الخندق ، حيث أنهم ما كانوا متوقعين هذه المفاجأة .

    لم يجد المشركون سبيلا للدخول إلى المدينة ، وبقوا ينتظرون أياما وليالي يقابلون المسلمين من غير تحرك ، حتى جاء حيي بن أخطب الذي تسلل إلى بني قريظة ، وأقنعهم بفسخ الاتفاقية بين بني قريظة والمسلمين ، ولما علم الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر أرسل بعض أصحابه ليتأكد من صحة ما قيل ، فوجده صحيحا . وهكذا أحيط المسلمون بالمشركين من كل حدب وصوب ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ييأسوا من روح الله ، لأنهم كانوا على يقين بأن عين الله ترعاهم .

    استطاع عكرمة بن أبي جهل وعدد من المشركين التسلل إلى داخل المدينة ، إلا أن عليا كان لهم بالمرصاد ، فقُتل من قُتل ، وهرب من هرب ، وكان من جملة الهاربين عكرمة .

    وأخيرا ، جاء نصر الله للمؤمنين . فقد تفككت روابط جيش المشركين ، وانعدمت الثقة بين أطراف القبائل ، كما أرسل الله ريحا شديدة قلعت خيامهم ، وجرفت مؤنهم ، وأطفأت نيرانهم ، فدب الهلع في نفوس المشركين ، وفروا هاربين إلى مكة .

    وحين أشرق الصبح ، لم يجد المسلمون أحدا من جيوش العدو الحاشدة ، فازدادوا إيمانا ، وازداد توكلهم على الله الذي لا ينسى عباده المؤمنين .

    وهكذا ، لم تكن غزوة الأحزاب هذه معركة ميدانية وساحة حرب فعلية ، بل كانت معركة أعصاب وامتحان نفوس واختبار قلوب ، ولذلك أخفق المنافقون ونجح المؤمنون في هذا الابتلاء . ونزل قول الله تعالى : (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلاً ليجزي الله الصادقين بصدقهم و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً و ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً و كفى الله المؤمنين القتال و كان الله قوياً عزيزاً و أنزل الله الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم و قذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون و تأسرون فريقاً ))




    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:24 pm

    فتح الانبار بمعركة ذات العيون 14-9-633م عندما تذكر المعارك التي خاضها المسلمون في عهد خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه, والمعارك التي حدثت في بعض خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, لا بد أن نقول أن نتيجة هذه المعركة هي النصر, والسبب فضل الله تعالى أولا ومن ثم سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه.
    بعد معارك الردة التي خاضها الصديق وكسر فيها شوكة المرتدين, بدأ يفكر في فتح الشام والعراق, وفعلا لم يجد غير خالد رضي الله عنه يبدأ به كسر شوكة الفرس. فطلب منه الصديق أن يتوجه مباشرة من اليمن إلى العراق وان يدخل العراق من جنوبه بينما أعطى أوامره للقائد الفذ عياض بن غنم رضي الله عنه بدخول العراق من الشمال.
    اكتسح خالدا العراق من جنوبه وخاض معاركا جبارة أرعبت الفرس, وأسقطت صناديدها الواحد تلو الأخر وسيطر على المدينة الاستراتيجية ( الحيرة). بعد تلك السيطرة قدمت جيوش عياض رضي الله عنه من الشمال والتقيا في الحيرة وكانت أوامر الصديق أن يستلم الأمارة أول الواصلين إلى الحيرة, فكان خالد.
    كانت خطة أبو سليمان أن يرسل كتبا إلى رؤساء الأقاليم الخاضعة للفرس داخل العراق قبل القتال يخيرهم بين أمور ثلاث ( إما الإسلام أو الجزية أو القتال), وفعلا نجح خالد في إخضاع اغلب الأقاليم بهذه الطريقة, وبها بدأت سيطرة الفرس تنهار مضافا إليها الخلاف بين أمراء البيت الفارسي على العرش.
    ولكن هل يكتفي سيف الله بهذه الأقاليم؟.. كلا فقد وجه اهتمامه إلى مدينتين لا تزالان خاضعتين للنفوذ الفارسي ألا وهما ( الانبار و عين التمر), وكان فيها أمراء يتمتعون بحماية قوية من الفرس والعرب الموالين لهم يحمونهم ويدافعون عنهم.
    قرر خالد أن يفتح هاتين المدينتين, ورأى أن يبدأ بالانبار تلك المدينة القديمة, منيعة التحصين والتي كانت مركزا تجاريا مهما تأتي إليه قوافل التجارة من بلاد الشام وارض فارس, واشتهرت بمخازنها الضخمة للحبوب والغلال.
    حرك أبو سليمان سيف الله المسلول جيشه المكون من 9000 مقاتل من الحيرة, واجتاز بهم الضفة الغربية لنهر الفرات حتى وصل إلى مكان بالقرب من الانبار, وهناك أرسل قوات استطلاع للمكان ولاستكشاف الطريق, ثم واصل تحركه نحو الانبار.
    كانت الانبار محصنة تحصينا قويا ومحاطة بخندق عميق ومليء بالماء, ويقع في مرمى الرماة من الجنود الفرس المتحصنين بأسوار حصينة عالية, بحيث يحبطون أي محاولة لاجتيازه.
    وعند اقتراب الجيوش الإسلامية الفاتحة, كانت تحت أنظار الجنود الفرس فقاموا بتدمير الجسور التي فوق الخندق لمنع المسلمين من التقدم.
    وقف القائد الكبير خالد بن الوليد سيف الله المسلول يحدق ويتمعن بأسوار المدينة, ويرصدها كالأسد وتنهال عليه الأفكار العسكرية الفذة. حرك خالد فرسه متراجعا بينما كان الجنود الفرس يرقبونه لأنهم يعرفون من هو خالد.
    استدعى خالد سرا ألف رام من امهر رماته وأطلعهم على خطته العجيبة, لم يعلم 8000 جندي بفكرة خالد, فكان حريصا رضي الله عنه على الأفكار العسكرية, لأنه وبكل وضوح يعرف معنى العملاء والعيون جيدا. قال خالد لجنوده ( والله إن هؤلاء قوم ليس لهم علم بالحرب, فسددوا أسهمكم إليهم في رمية رجل واحد, واختاروا العيون).. انه صك اعتراف من خالد بان الفرس جبناء وسيبقون جبناء إلى يوم الدين.
    تحرك الرماة باتجاه الخندق وهم يحملون أقواسهم وقد استعدوا للرمي دون أن يضعوا فيها السهام, بينما كان الفرس يراقبونهم من فوق السور في دهشة وتعجب, وهم في حيرة من أمر هؤلاء الرماة الذين خرجوا إليهم بأقواس فارغة.
    تم رفع سيدنا خالد يده فجأة معطيا الإشارة المتفق عليها, وفي الحال سارع الرماة بوضع السهام في الأقواس, واخذوا يرشقون حماية الحصن, يسددون سهامهم نحو عيونهم فلا يكاد يخطئ سهم منها طريقه. وفي لحظات قليلة أفقئت أعين ألف جندي من الفرس ولذلك سميت معركة فتح الانبار ( ذات العيون).
    نعم.. انه التسديد الرباني.. أصلحوا ما بينهم وما بين الله, فنصرهم الله وسدد رميهم.
    وصلت الأخبار إلى الحاكم الفارسي على الانبار ( شيرزاد) أن حماة الأسوار أصيبوا في وقت واحد, فدخل الرعب إلى نفسه. فعرض على خالد أن يستسلم ولكنه وضع بعض الشروط لهذا الاستسلام, فرفض خالد رضي الله عنه أن يضع العدو أية شروط, فقرر شيرزاد الاستمرار في المقاومة وحرب المسلمين.
    عزم خالد على مهاجمة الحصن, وكان لا بد من تسلق أسواره العالية, ولكن ذلك كله لم يكن مشكلة حقيقية لخالد بقدر ما كان عبور الخندق يمثل تحديا بالغ الصعوبة, فقد كان الخندق عميقا وعريضا, ولم يكن لدى الجيش قوارب, كما كان الجنود من أبناء البادية وسكان الصحراء فلا يجيدون السباحة.
    لكن خالدا لم يستسلم كعادته رضي الله عنه, وسرعان ما خطرت له فكرة مدهشة, وراح خالد يدور حول الخندق حتى اختار أضيق نقطة فيه, وبالقرب من البوابة الرئيسية للحصن, فحشد الرماة في هذا الجانب ليشتتوا ذهن الحماة وقناصة العدو, ويرغمونهم على الاختباء داخل الحصن, ثم أمر خالد بجمع الإبل الضعيفة وكبيرة السن, وسط ذهول الجميع, فنحرت وألقيت في الخندق حتى صنع منها جسرا في ذلك الجانب, فاستطاع عدد كبير من فرسان المسلمين العبور إلى ما وراء الخندق.
    وما أن شرع جنود الإسلام رضي الله عنهم في تسلق السور واقتحام الحصن, حتى خرجت إليهم مجموعة من الفرس من بوابة الحصن, محاولة طرد المسلمين ودفعهم إلى التراجع إلى الخلف, ولكن نجح المسلمون في التصدي لهم وإجبارهم على الفرار مرة أخرى إلى داخل الحصن, وإحكام إغلاق أبوابه من الداخل قبل أن يجتازها المسلمون من خلفهم إلى داخل الحصن.
    وفي أثناء تسلق الأسوار واقتحام الحصن, نادى رسول شيرزاد عند بوابة الحصن الرئيسية يحمل عرضا أخرا من حاكم الفرس, ليخبر المسلمين باستعداده لتسليم الحصن للمسلمين إذا ما سمحوا له أن يغادر الحصن بأمان هو ومن معه من الفرس, فوافق خالد على الطلب على أن يترك الفرس جميع ممتلكاتهم, وقبل شيرزاد بذلك, وقبل بشروط خالد, وأعطاهم مهلة يوم واحد وفعلا خرج الفرس وأسرهم من الحصن تاركين فيه أموالهم وممتلكاتهم غنيمة للمسلمين. وعندما وصل شيرزاد إلى المدائن لامه ( بهمن جاذويه) على استسلامه فقال له ( كيف أقاتل من فقأ ألف عين في أول رمية؟).. إنها شهادة الأعداء لك يا أبا سليمان..
    لقد اثر سقوط الانبار اكبر الأثر في استسلام جميع القبائل التي تسكن منطقة الانبار والتي تحالفت مع الفرس ضد المسلمين.
    نعم.. في صباح يوم 4 – رجب- 12 هـ دخل خالد وجنوده الانبار.. نعم .. أهلا بك في الانبار.. يا سيف الله.. لَكَم تشتاق ارض الانبار إلى حوافر فرسانكم وأسنة رماحكم..
    وقيل أن خالدا تحرك صوب مدينة عين التمر مباشرة حيث اسقط عنها حكم الفرس رغم إنها كانت تضم قادة الفرس المحنكين وبحماية فارسية كبيرة بالإضافة إلى عملاء العشائر والقبائل العربية من أمثال قبيلة النمر شديدة المراس, ومع هذا فلقد كانت معركة سريعة وحاسمة, وعين تمر لا تزال تحوي أثار تلك الحصون و أماكن حشود جيوش المسلمين الفاتحة.
    ومن هنا نستغل ذكر الانبار فنوجه لها هذه الكلمة ( يا أهل الانبار.. يكفيكم فخرا أن أول من ادخل الإسلام إلى أراضيكم في مثل هذا اليوم, هو صنديد من صناديد الإسلام وسيف الله المسلول.. كان يوما يقف بفرسه على أرضكم, وأنقذكم من الفرس واستعبادهم, فإياكم إياكم.. أن تسلموا الانبار إلى الفرس مرة أخرى.. لا تخيبوا ظن خالد بكم, فكونوا خير خلف لخير سلف, واجعلوا الانبار كما كانت سابقا عاصمة الأبطال, نعم.. إن التاريخ يعيد نفسه, لقد لاقى خالد رضي الله عنه عشائرا وقبائلا في الانبار كانت تحمي الفرس وتواليهم, وها انتم هؤلاء تواجهون ما واجهه, فماذا انتم فاعلون؟! فلا يؤتين الجهاد وأهله من قبلك, الله الله في أهل الله من المجاهدين, انظروا اليوم إلى الانبار, ارتفعت فيها البنيان لكن انهارت فيها الأخلاق, ساد الأمن كما يقولون, ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة, عاصفة الفرس الذين دخلوا إلى الانبار بحماية القبائل.. ألا من لها اليوم.. ألا يا أبا سليمان هل لك من حفيد

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:24 pm

    فتح الانبار بمعركة ذات العيون 14-9-633م عندما تذكر المعارك التي خاضها المسلمون في عهد خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه, والمعارك التي حدثت في بعض خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, لا بد أن نقول أن نتيجة هذه المعركة هي النصر, والسبب فضل الله تعالى أولا ومن ثم سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه.
    بعد معارك الردة التي خاضها الصديق وكسر فيها شوكة المرتدين, بدأ يفكر في فتح الشام والعراق, وفعلا لم يجد غير خالد رضي الله عنه يبدأ به كسر شوكة الفرس. فطلب منه الصديق أن يتوجه مباشرة من اليمن إلى العراق وان يدخل العراق من جنوبه بينما أعطى أوامره للقائد الفذ عياض بن غنم رضي الله عنه بدخول العراق من الشمال.
    اكتسح خالدا العراق من جنوبه وخاض معاركا جبارة أرعبت الفرس, وأسقطت صناديدها الواحد تلو الأخر وسيطر على المدينة الاستراتيجية ( الحيرة). بعد تلك السيطرة قدمت جيوش عياض رضي الله عنه من الشمال والتقيا في الحيرة وكانت أوامر الصديق أن يستلم الأمارة أول الواصلين إلى الحيرة, فكان خالد.
    كانت خطة أبو سليمان أن يرسل كتبا إلى رؤساء الأقاليم الخاضعة للفرس داخل العراق قبل القتال يخيرهم بين أمور ثلاث ( إما الإسلام أو الجزية أو القتال), وفعلا نجح خالد في إخضاع اغلب الأقاليم بهذه الطريقة, وبها بدأت سيطرة الفرس تنهار مضافا إليها الخلاف بين أمراء البيت الفارسي على العرش.
    ولكن هل يكتفي سيف الله بهذه الأقاليم؟.. كلا فقد وجه اهتمامه إلى مدينتين لا تزالان خاضعتين للنفوذ الفارسي ألا وهما ( الانبار و عين التمر), وكان فيها أمراء يتمتعون بحماية قوية من الفرس والعرب الموالين لهم يحمونهم ويدافعون عنهم.
    قرر خالد أن يفتح هاتين المدينتين, ورأى أن يبدأ بالانبار تلك المدينة القديمة, منيعة التحصين والتي كانت مركزا تجاريا مهما تأتي إليه قوافل التجارة من بلاد الشام وارض فارس, واشتهرت بمخازنها الضخمة للحبوب والغلال.
    حرك أبو سليمان سيف الله المسلول جيشه المكون من 9000 مقاتل من الحيرة, واجتاز بهم الضفة الغربية لنهر الفرات حتى وصل إلى مكان بالقرب من الانبار, وهناك أرسل قوات استطلاع للمكان ولاستكشاف الطريق, ثم واصل تحركه نحو الانبار.
    كانت الانبار محصنة تحصينا قويا ومحاطة بخندق عميق ومليء بالماء, ويقع في مرمى الرماة من الجنود الفرس المتحصنين بأسوار حصينة عالية, بحيث يحبطون أي محاولة لاجتيازه.
    وعند اقتراب الجيوش الإسلامية الفاتحة, كانت تحت أنظار الجنود الفرس فقاموا بتدمير الجسور التي فوق الخندق لمنع المسلمين من التقدم.
    وقف القائد الكبير خالد بن الوليد سيف الله المسلول يحدق ويتمعن بأسوار المدينة, ويرصدها كالأسد وتنهال عليه الأفكار العسكرية الفذة. حرك خالد فرسه متراجعا بينما كان الجنود الفرس يرقبونه لأنهم يعرفون من هو خالد.
    استدعى خالد سرا ألف رام من امهر رماته وأطلعهم على خطته العجيبة, لم يعلم 8000 جندي بفكرة خالد, فكان حريصا رضي الله عنه على الأفكار العسكرية, لأنه وبكل وضوح يعرف معنى العملاء والعيون جيدا. قال خالد لجنوده ( والله إن هؤلاء قوم ليس لهم علم بالحرب, فسددوا أسهمكم إليهم في رمية رجل واحد, واختاروا العيون).. انه صك اعتراف من خالد بان الفرس جبناء وسيبقون جبناء إلى يوم الدين.
    تحرك الرماة باتجاه الخندق وهم يحملون أقواسهم وقد استعدوا للرمي دون أن يضعوا فيها السهام, بينما كان الفرس يراقبونهم من فوق السور في دهشة وتعجب, وهم في حيرة من أمر هؤلاء الرماة الذين خرجوا إليهم بأقواس فارغة.
    تم رفع سيدنا خالد يده فجأة معطيا الإشارة المتفق عليها, وفي الحال سارع الرماة بوضع السهام في الأقواس, واخذوا يرشقون حماية الحصن, يسددون سهامهم نحو عيونهم فلا يكاد يخطئ سهم منها طريقه. وفي لحظات قليلة أفقئت أعين ألف جندي من الفرس ولذلك سميت معركة فتح الانبار ( ذات العيون).
    نعم.. انه التسديد الرباني.. أصلحوا ما بينهم وما بين الله, فنصرهم الله وسدد رميهم.
    وصلت الأخبار إلى الحاكم الفارسي على الانبار ( شيرزاد) أن حماة الأسوار أصيبوا في وقت واحد, فدخل الرعب إلى نفسه. فعرض على خالد أن يستسلم ولكنه وضع بعض الشروط لهذا الاستسلام, فرفض خالد رضي الله عنه أن يضع العدو أية شروط, فقرر شيرزاد الاستمرار في المقاومة وحرب المسلمين.
    عزم خالد على مهاجمة الحصن, وكان لا بد من تسلق أسواره العالية, ولكن ذلك كله لم يكن مشكلة حقيقية لخالد بقدر ما كان عبور الخندق يمثل تحديا بالغ الصعوبة, فقد كان الخندق عميقا وعريضا, ولم يكن لدى الجيش قوارب, كما كان الجنود من أبناء البادية وسكان الصحراء فلا يجيدون السباحة.
    لكن خالدا لم يستسلم كعادته رضي الله عنه, وسرعان ما خطرت له فكرة مدهشة, وراح خالد يدور حول الخندق حتى اختار أضيق نقطة فيه, وبالقرب من البوابة الرئيسية للحصن, فحشد الرماة في هذا الجانب ليشتتوا ذهن الحماة وقناصة العدو, ويرغمونهم على الاختباء داخل الحصن, ثم أمر خالد بجمع الإبل الضعيفة وكبيرة السن, وسط ذهول الجميع, فنحرت وألقيت في الخندق حتى صنع منها جسرا في ذلك الجانب, فاستطاع عدد كبير من فرسان المسلمين العبور إلى ما وراء الخندق.
    وما أن شرع جنود الإسلام رضي الله عنهم في تسلق السور واقتحام الحصن, حتى خرجت إليهم مجموعة من الفرس من بوابة الحصن, محاولة طرد المسلمين ودفعهم إلى التراجع إلى الخلف, ولكن نجح المسلمون في التصدي لهم وإجبارهم على الفرار مرة أخرى إلى داخل الحصن, وإحكام إغلاق أبوابه من الداخل قبل أن يجتازها المسلمون من خلفهم إلى داخل الحصن.
    وفي أثناء تسلق الأسوار واقتحام الحصن, نادى رسول شيرزاد عند بوابة الحصن الرئيسية يحمل عرضا أخرا من حاكم الفرس, ليخبر المسلمين باستعداده لتسليم الحصن للمسلمين إذا ما سمحوا له أن يغادر الحصن بأمان هو ومن معه من الفرس, فوافق خالد على الطلب على أن يترك الفرس جميع ممتلكاتهم, وقبل شيرزاد بذلك, وقبل بشروط خالد, وأعطاهم مهلة يوم واحد وفعلا خرج الفرس وأسرهم من الحصن تاركين فيه أموالهم وممتلكاتهم غنيمة للمسلمين. وعندما وصل شيرزاد إلى المدائن لامه ( بهمن جاذويه) على استسلامه فقال له ( كيف أقاتل من فقأ ألف عين في أول رمية؟).. إنها شهادة الأعداء لك يا أبا سليمان..
    لقد اثر سقوط الانبار اكبر الأثر في استسلام جميع القبائل التي تسكن منطقة الانبار والتي تحالفت مع الفرس ضد المسلمين.
    نعم.. في صباح يوم 4 – رجب- 12 هـ دخل خالد وجنوده الانبار.. نعم .. أهلا بك في الانبار.. يا سيف الله.. لَكَم تشتاق ارض الانبار إلى حوافر فرسانكم وأسنة رماحكم..
    وقيل أن خالدا تحرك صوب مدينة عين التمر مباشرة حيث اسقط عنها حكم الفرس رغم إنها كانت تضم قادة الفرس المحنكين وبحماية فارسية كبيرة بالإضافة إلى عملاء العشائر والقبائل العربية من أمثال قبيلة النمر شديدة المراس, ومع هذا فلقد كانت معركة سريعة وحاسمة, وعين تمر لا تزال تحوي أثار تلك الحصون و أماكن حشود جيوش المسلمين الفاتحة.
    ومن هنا نستغل ذكر الانبار فنوجه لها هذه الكلمة ( يا أهل الانبار.. يكفيكم فخرا أن أول من ادخل الإسلام إلى أراضيكم في مثل هذا اليوم, هو صنديد من صناديد الإسلام وسيف الله المسلول.. كان يوما يقف بفرسه على أرضكم, وأنقذكم من الفرس واستعبادهم, فإياكم إياكم.. أن تسلموا الانبار إلى الفرس مرة أخرى.. لا تخيبوا ظن خالد بكم, فكونوا خير خلف لخير سلف, واجعلوا الانبار كما كانت سابقا عاصمة الأبطال, نعم.. إن التاريخ يعيد نفسه, لقد لاقى خالد رضي الله عنه عشائرا وقبائلا في الانبار كانت تحمي الفرس وتواليهم, وها انتم هؤلاء تواجهون ما واجهه, فماذا انتم فاعلون؟! فلا يؤتين الجهاد وأهله من قبلك, الله الله في أهل الله من المجاهدين, انظروا اليوم إلى الانبار, ارتفعت فيها البنيان لكن انهارت فيها الأخلاق, ساد الأمن كما يقولون, ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة, عاصفة الفرس الذين دخلوا إلى الانبار بحماية القبائل.. ألا من لها اليوم.. ألا يا أبا سليمان هل لك من حفيد

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:26 pm

    وقعة اليرموك

    كان عدد جيش المسلمين سبعة وعشرين ألفا ً ، وعدد جيش النصارى عشرين ومائة ألف ( أي: 120,000 ).
    وأرسل الأمراء إلى أبي بكر يُعلمونه بما وقع من الأمر العظيم وطلبوا منه مددا ً ، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جندا ً واحدا ً ، فأنتم أنصار الله ، والله ينصر من ينصره ويخذل من يكفره ، ولن يؤتى مثلكم عن قلة ، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها.
    ثم قال أبو بكر رضي الله عنه : والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد ، وبعث إليه بالعراق ليقدم إلى الشام ، وإن وصل إلى الشام فهو الأمير على الجميع ، فاستناب خالد المثنى بن حارثة ، وتوجه إلى الشام مسرعا ً في تسعة آلاف وخمسمائة وسلك طرقا ً لم يسلكها أحد قبله ، اختصارا ً للطريق فاجتاب البراري والقفار وقطع الأودية ، وأخذ دليلا ً وهو نافع بن عميرة الطائي.
    وكانت أرضا ً معطشة فلما فقدوا الماء ، نحروا الإبل وسقوا ما في أجوافها للخيل ، ووصل في خمسة أيام ، وكان قد قال له أحد الأعراب قبل مسيره : إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية في يوم كذا ، نجوت أنت ومن معك ، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك ، فأصبحوا عندها فقال : عند الصباح يحمد القوم السرى ، فصارت مثلا ً ، وخرج رجل من نصارى العرب يجس أمر الصحابة فقال : وجدت قوما ً رهبانا ً بالليل فرسانا ً بالنهار ، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه ، أو زنى لرجموه ، فقال له قائد الروم : والله لئن كنت صادقا ً لبطن الأرض خير من ظهرها.
    ولما أقبل خالد من العراق لقيه رجل من نصارى العرب ، فقال له : ما أكثر الروم ، وما أقل المسلمين.
    فقال خالد : ويلك أتخوفني بالروم ؟ إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال ، والله لوددت أن الأشقر ( اسم فرسه ) برأ من وجعه ، وأنهم أضعفوا العدد.
    وطلب ماهان قائد الروم أن يقابل خالد بن الوليد فخرج إليه خالد فقال ماهان : إنا قد علمنا أن الذي أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع ، فهلموا إلي أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعام ، وترجعون إلى بلادكم ، فإذا كان العام المقبل بعثنا لكم بمثله ، فقال خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت ، غير أنا قوم نشرب الدماء ، وأنه بلغنا أن لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك.
    ثم تفرقا وتنازل الأبطال وتجاولوا في الحرب ، وقامت الحرب على ساق. وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد ، والقساوسة والبطارقة تحرضهم على القتال ، وهم في عدد وعدة لم ير مثلها ، وحمل المسلمون على الروم حملة جل واحد ، فانكشفت الروم وفروا وانتهت المعركة بنصر ساحق للمسلمين.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:26 pm

    فتح دمشق





    [b]قال ابن جرير : سار أبو عبيدة إلى دمشق ، وخالد على مقدمة الناس ، و قد اجتمعت الروم على رجل يقال له باهان بدمشق ، و كان عمر عزل خالداً و استعمل أبا عبيدة على الجميع .
    والتقى المسلمون و الروم فيما حول دمشق ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ثم هزم الله الروم ، و دخلوا دمشق و غلقوا بوابها ، و نازلها المسلمون حتى فتحت ، و أعطوا الجزية ، وكان قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالد فاستحياأبوعبيدةأن يقرئ خالداً الكتاب حتى فتحت دمشق و جرى الصلح على يدي خالد ، و كتب الكتاب باسمه ، فلما صالحت دمشق لحق باهان صاحب الروم بهرقل .
    وقيل : كان حصار دمشق أربعة أشهر .
    وكان صاحب دمشق قد جاءه مولود فصنع طعاماً و اشتغل يومئذ، و خالد بن الوليد الذي لا ينام ولا يُنيم قد هيأ حبالاً كهيئة السلالم ، فلما أمسى هيأ أصحابه و تقدم هو و القعقاع بن عمرو ، و مذعور بن عدي و أمثالهم و قالوا : إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا و انهدوا الباب .
    قال : فلما انتهى خالد و رفقاؤه إلى الخندق رموا بالحبال إلى الشُرف ، و تسلق القعقاع و مذعور فلم يدعاأُحبُولة حتى أثبتاها في الشُرف ، و كان ذلك المكان أحصن مكان بدمشق فاستوى على السور خلق من أصحابه ثم كبروا ، و انحدر خالد إلى الباب فقتل البوابين ، و ثار أهل البلد إلى مواقفهم لا يدرون ما الشأن ، فتشاغل أهل كل جهة بما يليهم ، و فتح خالد الباب و دخل أصحابه عنوة.
    و قد كان المسلمون دعوهم إلى الصلح و المشاطرة فأبوا ، فلما رأوا البلاء بذلوا الصلح ، فأجابهم من يليهم ، و قبلوا فقالوا : ادخلوا و امنعونا من أهل ذاك الباب ، فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم ، فالتقى خالد و الأمراء في وسط البلد هذا استعراضاً و نهباً ، و هؤلاء صلحاً فأجروا ناحية خالد على الصلح بالمقاسمة، وكتب إلى عمر بالفتح ، وكان ذلك سنة أربعة عشرة للهجرة .

    [/b]

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:27 pm

    موقعة القادسية
    وقعة القادسية من أشهر الوقائع التي حدثت بين الصدر الأول من المسلمين وبين الفرس. وكان قائد المسلمين فيها سعد ابن أبي وقاص المشهور. وكان قائد الفرس رستم المعروف ببسالته وعلمه بأساليب الكر والفر. بدأ سعد منازلة خصمه بدعوته للإسلام فأرسل إليه ثلاثة من ذوي الرأي يدعونه وقومه إلى الحق. فقالوا لـه: إن أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، والعافية أن تقبل ما دعاك إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك، وداركم لكم وأمركم فيكم، وما أطعتم كان زيادة لكم دوننا وكنا عوناً لكم على احد إن أرادكم. فاتق اللّه ولا يكون هلاك قومك على يدك وليس بيننا وبين أن نغبط بهذا الأمر إلا أن ندخل فيه. فأبى رستم أن يصغي إلى هذه النصيحة فأمر سعد بمناوأة القوم القتال وكان به مرض عرق النسا إذ ذاك فلم يستطع الركوب فبقي على سطح القصر مكباً على وجهه في صدره وسادة يشرف على الناس والصف في أصل حائطه فعابه بعض جنوده وقال شعرا:
    نقاتل حتى أنزل اللّه نصره وسعد بباب القادسية معصمفأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيمفبلغت أبياته سعداً فقال: اللـهم إن كان هذا كاذباً وقال الذي قال رياء وسمعة فاقطع عني لسانه ثم أنه نزل إلى الناس وأراهم ما به من القروح فعذروه. واستخلف خالد ابن عرفطة ودعا بناس من ذوي الرأي منهم المغيرة بن شعبة وطليحة الأسدي وعمرو بن معديكرب وأمثالـهم وأمرهم بتحريض الناس على القتال وأمر سعد الناس بقراءة سورة الأنفال. فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم ونزلت عليهم السكينة عند قراءتها. ثم قال سعد:
    ألزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم. فلما كبر الثالثة خرج أهل النجدات فأنشبوا القتال ودارت رحى الحرب. فقصدت الفرس بعض جهات الجيش بسبعة عشر فيلاً فنفرت خيولـها وكادت تهلك فرسانها وكانت في تلك الجهة بنو بجيلة. فأرسل سعد إلى بني أسد وعليهم طليحة أن ادفعوا عن بجيلة فخرج طليحة بن خويلد في كتائب فباشروا الفيلة وقام الأشعث بن قيس في بني كندة فحرضهم على القتال فلما رأى الفرس ما يكفي الناس والفيلة من بني أسد رموهم بجدهم وحملوا عليهم وفيهم ذو الحاجب والجالينوس والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد واجتمعت جلبة فارس على أسد فثبتوا لـهم. وكبر سعد الرابعة وزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد. وحملت الفيلة على الميمنة والميسرة فكانت الخيول تحيد عنها.
    فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي أن يكفيه وقومه شر الفيلة. فتقدم عاصم بجماعة من شجعان قومه ورماتهم فقطعوا وضن الفيلة فعوت وفرت برجالـها ونفس عن أسد فردوا جنود الفرس عنهم إلى مواقعهم واقتتلوا حتى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل. ثم رجع الفريقان وقد أبلى بنو أسد بلاء في ذلك اليوم وهو يوم أرماث. فلما أصبح القوم وهو يوم أغواث وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلـهم فبينما هم يدفنون القتلى إذ طلعت نواصي الخيل من جهة الشام ومعها القعقاع بن عمرو الذي قال فيه أمير المؤمنين أبو بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا. وكانت هذه الطليعة جيش أرسلـه عمر لنجدة سعد من العراق تحت قيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخي سعد ويعرف بالمرقال وكان القعقاع هذا على مقدمته وكانت تلك المقدمة ألفاً فأمرهم القعقاع أن يتقطعوا أعشاراً كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا عشرة أخرى.
    فخرج القعقاع إلى الميدان ونادى هل من مبارز فبرز إليه ذو الحاجب من كبار قادة الفرس فقتلـه القعقاع ثم خرج البنذوان والفرزان فانضم إلى القعقاع الحارث بن طيبان فقتل كل منهما واحداً وما زال الناس يتبارزون إلى الظهر ثم تزاحف الفريقان واقتتلوا حتى انتصف الليل. فلما أصبحوا وهو اليوم الثالث المسمى بيوم عماس فكان من مكايد القعقاع أن بات تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه وقال لـهم إذا طلعت الشمس فأقبلوا مئة مئة. فإن أقبل هاشم بن عتبة القائد العام للنجدة فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجداً. وأصبحوا على مواقعهم فلما طلعت الشمس أقبل أصحاب القعقاع فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب فجاء أصحاب القعقاع حين انتهى إليهم هاشم بن عتبة فأخبرهم بما صنع القعقاع فجعل أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المعروف بقيس بن مكشوح فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط الناس كبر وكبر المسلمون ثم حمل على المشركين حتى خرج صفهم إلى العتيق وكان الفرس باتوا يعملون توابيتهم ويعدون فيلتهم وأقبلت الرجالة تحميها حتى لا يقطع المسلمون وضنها فلم تنفر الخيل منهم لأنها استأنست بالرجال المطيفين بها وكان هذا اليوم شديداً على العرب والفرس وقاتل فيه القعقاع وعمرو بن معدي كرب وهاشم بن عتبة وقيس بن مكشوح وعاصم بن عمرو وأضرابهم قتالاً شديداً وانتدب عمرو والقعقاع للفيلة فشرداها وما زال القتال حامياً حتى أمسوا واشتد القتال ليلاً وكانت ليلة الـهرير، وكان الفرس لا يريدون غير الزحف فقد مرا صفوفهم وزاحفهم الناس بغير إذن سعد، وكان أول من زاحفهم القعقاع فقال سعد: اللـهم اغفرها لـه وانصره فقد أذنت لـه وإن لم يستأذني. ثم أن سعداً واعد المسلمين ثلاث تكبيرات ليزحفوا جميعهم فلما كبر الأولى تقدمت أسد، ثم حملت النخع ثم بجيلة ثم زحف الرؤساء ورحى الحرب تدور على القعقاع وتقدم حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار وغيرهم. ولما كبر سعد الثالثة تلاحق الناس بعضهم ببعض وخالطوا جنود الفرس واستقبلوا الليل بعدما وصلوا العشاء وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون (أي الحدادين) وداموا يقاتلون إلى الصباح وبات سعد بليلة لم يبت مثلـها ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثلـه قط فما ظهر الصبح إلا والمسلمون هم الأعلون. وكان أول شيء سمعه نصف الليل صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول:
    نحن قبلنا معشرا أو زائداأربعة وخمسة وواحداتحسب فوق اللبد الأساوداحتى إذا ماتوا دعوت جاهدااللّه ربي واحتزرت عامداوأصبح الناس وهم حسرى لم يغمضوا أجفانهم فسار القعقاع في الناس فقال: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم فاصبروا ساعة واعملوا فإن النصر مع الصبر فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء صمدوا لرستم حين خالطوا الذين دونه فلما رأت ذلك القبائل قام فيهم رؤساؤهم وقالوا لا يكونن هؤلاء جدا في أمر اللّه منكم ولا هؤلاء (يعنون الفرس) أجرأ على الموت منكم فحملوا فيما يليهم واقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة فكان أول ما زال الفيرزان والـهرمزان فتأخرا وثبت حتى انتهيا وانفرج القلب وركب عليهم النقع وهبت ريح عاصف فقلعت خيمة رستم فهوت في العتيق وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير وقد قام عنه رستم وجاء هلال بن علقمة فضرب رستم فقتلـه ونادى إني قتلت رستم فأطاف به الناس وانهزم قلب الفرس فقام الجالينوس بالقيادة ونادى الفرس إلى العبور وأما المقرنون في السلاسل فتهافتوا كلـهم في العتيق وأخذ ضرار بن الخطاب (دوفشن كابيان) وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس فعوض عنه ثلاثين ألفاً وأعطى سعد سلب رستم لقاتلـه هلال.
    كانت وقائع القادسية هذه من أعظم الوقائع الإسلامية قتل فيها من المسلمين نحو سبعة آلاف وخمس مئة وقد بالغ المؤرخون في عدد من قتل من الفرس. وانتهت هذه الوقائع بكسر شرة الفرس وتشتت جيوشهم. مع أن الفرس كانوا يهزؤون بجيش سعد لقلته ويشبهون سهامه بالغازل. روى أبو رجاء الفارسي عن أبيه عن جده قال: حضرت وقعة القادسية فلما رمتنا العرب بالنبل جعلنا نقول (دوك دوك) نعني مغازل فما زالت بنا تلك المغازل حتى أزالت أمرنا. غنم المسلمون في هذه الوقعة من الفرس شيئاً لا يحصى ولم يغنموا من قبل مثلـه. وقد بلغ ذعر الفرس من المسلمين في هذه الوقعة ما لم يبلغه في وقعة سواها حتى لقد رؤى شخص من النخع يسوق ثمانين أسيراً من الفرس، واستأمن فريق من جنود الفرس وطلبوا أن يضموا إلى الجيش الإسلامي ليقاتلوا معه. وكان مع رستم أربعة آلاف يسمون جند شهانشاه فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبوا ويحالفوا من أحبوا ويفرض لـهم في العطاء فأعطوا الذي سألوه وحالفوا زهرة بن حرية السعدي التميمي فأنزلـهم سعد حيث اختاروا وفرض لـهم ألف ألف درهم (أي مليون).
    بعد وقعة القادسية لم يجد المسلمون من الفرس مقاومة تذكر فإن سعدا بعد الفتح بنحو شهرين كاتب عمر أمير المؤمنين فيما يفعل فكتب إليه يأمره بالسير إلى المدائن فسار إليها وفتحها وقوض دولة الفرس تقويضاً.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:28 pm

    <blockquote>
    فتح بعلبك وحمص


    مقدمة مكَّن الله المسلمين من فتح دمشق، بعد حصار عنيف طويل، ودخلوا هذه المدينة فتحًا من الباب الشرقي، وصلحًا من بقية الأبواب !!...
    كان دخول خالد بن الوليد لدمشق في 15 من رجب عام 14 هـ، وهو شهر من الأشهر الحرم، فهل يجوز للمسلمين أن يقاتلوا في الأشهر الحرم ؟
    لا شك أن ذلك له ضوابط: فالقاعدة أن الله حرم القتال في الأشهر الحرم، ولكن هناك استثناء، وهو أحد أمرين: إما أن يبدأ المشركون القتال، فلابد أن يقاتلهم المسلمين عندئذٍ حتى إذا كان ذلك في شهر من الأشهر الحرم.
    الآخر ( وهو الذي حدث في فتح دمشق ): أن يكون القتال قد بدأ قبل الشهرالحرام، ويأتي الشهر الحرام، وهم في هذا القتال، فليس عليهم أن يقطعوه، بل يجب أن يستمر القتال دون توقف.
    [b]سرية عبد الله بن جحش:[/b]

    قتلت أحد الكفار في شهر من الأشهر الحرم، وكان قتله في آخرليلة من شهر رجب حيث خشوا إن تركوا القافلة هذه الليلة انتظارا لانقضاء الشهر الحرام أن تفلت وتدخل مكة البلد الحرام-أيضا-وتضيع الفرصة في الاستيلاء عليها، فأنكر الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله عز وجل: (يسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [البقرة: 217]، فالله سبحانه وتعالى يوضح في هذه الآية أن القتال في الأشهرالحرم من الكبائر، ولكن ما فعله المشركون مع المسلمين من طرد وإيذاء وتعذيب، كل هذا أكبر من القتل في الأشهر الحرم، أي أن المشركين فعلوا أكثر، وأقبح من القتل في الأشهر الحرم..
    وكثير من معارك المسلمين مع الفرس والروم تمت في الأشهر الحرم، وذلك لأنها بدأت قبل هذه الأشهر، وتخللتها هذه الأشهر.
    خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع، فقال: يا أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر، يُضَلُّ به الذين كفروا، يحلُّونه عامًا ويحرمونه عامًا، ( قال ابن كثير: فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة )، ثم قال صلى الله عليه وسلم: وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاثٌ متواليات، وواحد فرد ( ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ) و ( رجب الذي بين جمادى وشعبان )..ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد.. وقد وردت بعض الأحاديث الضعيفة على أن تحريم هذه الأشهر قد نُسِخ، ولكنها غير صحيحة، فالتحريمُ مُحْكَمٌ غير منسوخ.



    خالد يتوجه إلى بعلبك بعد انتصار المسلمين، وفتح دمشق ـ كما ذكرنا ـ مكث المسلمون في دمشق فترة الشتاء، يستريحون ويعدون أنفسهم وجيوشهم، حتى انقضى فصل الشتاء، فقرروا التوجه إلى حمص، وهي القوة الكبرى التالية لدمشق، بعد أن غدا كل ما هو جنوبيَّ دمشق إسلاميًا، باستثناء بيت المقدس، والحصون الساحلية ( عكا، وحيفا ). والطريق من دمشق إلى حمص تمتد نحو 225 كلم، ولها طريقان: أحدهما ( صحراوي ) على حدود صحراء السماوة ( بين الشام و العراق )، والآخر داخلي، يمر من خلال " بعلبك"، ويقع بين سلسلتي جبال لبنان الشاهقتين، وهو الذي هرب منه من قبلُ ( وردان ) عندما اتجه من حمص إلى دمشق، ذاهبًا إلى أجنادين فقرر أبو عبيدة أن يرسل مقدمة جيش المسلمين ( بقيادة خالد ) لفتح حمص، فاتجه خالد بن الوليد إلى "حمص" من خلال طريق ( بعلبك) ؛ وذلك لأنهم كانوا قد سيطروا على المنطقة الجنوبية، فلم يعد يخشى من مجيء قوات رومية من خلفه، والأهم من ذلك لكي يهاجم القوة الرومية الموجودة في " بعلبك"، وهو يعلم بوجودها هناك، وقد أدرك هذا الطريق وأبعاده، كما خشي أن يهرب منه أهل حمص إذا وصل من خلال الطريق الصحراوي الأبعد، فاتجه إلى " بعلبك" الواقعة في ( سهل البقاع ) بين سلسلتي جبال لبنان،


    وهي مدينة مبنية فوق جبل داخل سهل البقاع، فهي مدينة حصينة جدًّا طبيعيًّا، كما أنها مزودة بأسوار وحصون مادية عديدة، بقي منها آثار حتى اليوم (* هامش: سميت باسم الصنم "بَعْل" الذي كان يعبده أهل هذه البلد، وأُرسِل إليهم سيدنا إلياس عليه السلام، جاء في سورة (الصافات):"أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين..."الآيـة).

    و يبدأ أبوعبيدة في تنظيم جيشه، فيرسل (عمرو بن العاص ) بجيشه إلى فلسطين، و شرحبيل بن حسنة إلى الأردن، ويبقى هو و يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهما في دمشق.
    يصل خالد بن الوليد إلى أطراف بعلبك، فتواجهه قوة رومية صغيرة، يبدو أنها كانت إحدى فرق الاستطلاع، وليست الجيش الأصلي، فيرسل إليها خالد خمسين فارسًا بقيادة " ميسرة بن مسروق "، فيهاجموها، وينتصروا عليها، ويقحموها داخل حصن "بعلبك "، ويتقدم الجيش الإسلامي كله لمحاصرة بعلبك، و في أقل من يوم واحد، يعلن أهل " بعلبك" الاستسلام، وطلب الصلح مع المسلمين.
    وكان هذا الأمر عجيبًا جدًا، إذ إنها مدينة حصينة جدا، فما الذي يدفعها للاستسلام بهذا اليسر ؟!! وكيف يتخلَّى عنها الروم بهذه الصورة رغم أنهم كانوا يستطيعون اتخاذها قاعدة لقتال المسلمين، ومن ثَمَّ يزيدون في تحصينها لتصمد أمام هجوم المسلمين !!
    دخل المسلمون وعاهدوا أهل "بعلبك" وجاء في نص المعاهدة هذا كتاب أمان لأهل بعلبك: رومها وفرسها وعربها ( ويبدو أنه كان فيها فرس وروم، وهذا أمر عجيب للخلاف الذي بين الدولتين !! ) على أنفسهم وأموالهم، وكنائسهم، ودورهم داخل المدينة وخارجها، وعلى رحائهم ( طواحينهم )، وللروم أن يرعوا سرحهم، ما بينهم وبين 15 ميلاً، فإذا مضى شهر ربيع ( أي ربيع الثاني ) وجمادى الأولى، ساروا إلى حيث شاءوا، ومن أسلم منهم، فله ما لنا، وعليه ما علينا ( أي أنهم أعطوهم شهرين مهلة ) وعلى من أقام منهم الجزية.
    ونلاحظ في هذه المعاهدة السماحة الإسلامية الواضحة، على الرغم من أن الدولة الإسلامية منتصرة، إلا أنها تعطي المهزومين، أو المستسلمين كثيرا من الصلاحيات:أولها مهلة الشهرين للخروج من المدينة، أو الجزية، أو الإسلام، كما أنهم سمحوا لهم بالتجول حول "بعلبك" لرعي الماشية مسافة 15 ميل ( أي نحو 22 كلم ) حرصا على حياة ماشيتهم ؛ لقلة المرعى داخل المدينة، على الرغم من أنهم في حالة حرب مع المسلمين !!، وأن ذلك قد يكون فيه خطر على المسلمين، كما يستطيع تجار هذه المدينة الذهاب إلى أي مدينة من المدن التي صُولح عليها المسلمين وهم لا يزالوا على دينهم.
    وهذا كله يوضح لنا كيف تعامل المسلمون في فتوحاتهم، ويرد على أي شبهة يبثها المستشرقون في محاولاتهم الدائمة لتشويه صورة الفتوحات الإسلامية.



    وقفة مع الجزية

    عقد الذمة بين المسلمين وأي دولة يحاربونها هو عقد بين المسلمين والكفار، أقرهم المسلمون على كفرهم، ولكن بشروط، فعلى أهل الكتاب التزامات في المعاهدة، هذه الالتزامات هي:
    1- أن يلتزموا بأحكام الإسلام في الجملة: وهذا يتعلق بأمرين: الأول: المعاملات المالية، فيجب أن تكون على أساس شرعي إسلامي، فتُحرَّم عليهم عقودُ الرِّبا.
    الثاني: أن تُطبَّق عليهم العقوبات المقررة على المسلمين (الحدود)، فإذا زنا أحدهم (ولو بواحدة ممن على ديانته) يقام عليه الحد، (مثلما رجم رسول الله يهوديا ويهودية زنيا، وكانا محصنان) وكذلك حد السرقة، والحرابة... وعهد الذمة ليس معاهدة بين دولة وأخرى، وإنما معاهدة بين دولة منتصرة مسيطرة، ودولة منهزمة، رضيت بشيء حتى تأمن جانب المسلمين.ًّ
    2- أن يدفعوا الجزية: يدفع أهل هذه البلدة، مقدارًا معينًا من المال نظير حماية المسلمين لهم، وتأمينهم على أموالهم وأعراضهم، وكنائسهم، ودور عبادتهم، وعلى رحائهم، فالمسلمون يدافعون عنهم..، وتُعَدُّ مقابل ما يدفعه المسلمون من زكاة، وربما تكون أقل، إذ إنهم يدفعون مقدار ( دينار أو أربعة دينار عن البالغ في السنة )، ويقول مالك:إنها حسب الطاقة، ويقررها الوالي، وقد جعل الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) الجزية على أهل اليمن (دينار)، وعلى أهل الشام ( أربعة دنانير )، و سئل عن ذلك فقال: ذلك من اليسار ( أي ليُسْرِ أهل الشام وكثرة أموالهم حدد عليهم جزية أعلى من الآخرين.. ) والحكم العام أن الوالي لا يجوز له أن يكلف أهل الكتاب أو أهل الذمة ما لا يطيقون، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته، فأنا حجيجه )، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدافع عن هذا الكافر أمام الله عز وجل، إذا ظلمه مسلم، وهكذا نرى كيف يحفظ المسلمون حقوق أهل الذمة.
    ولهذا الأمر الكثير من التطبيقات في حياة المسلمين، على مدار الفتوحات الإسلامية كلها...
    وهذه المعاهدات تجوز مع أي فئة من غير المسلمين ( حتى ولو لم يكونوا أهل ذمة، أو أهل كتاب ) فقد جاءت السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من " مجوس "البحرين، ومجوس "هجر "، وبعد ذلك أخذ المسلمون الجزية من أهل فارس وهم مجوس، فقال بعض الفقهاء ( كالشافعي ) أنه يجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب ومن المجوس، ولا يجوز أخذها من عبدة الأوثان، وقال غيره من الفقهاء إنه يجوز أخذها من أي طائفة من غير المسلمين، حتى وإن كانوا من عبدة الأوثان.. وحقَّق ذلك ( ابن القيم ) رحمه الله، تحقيقًا عظيمًا فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذها من عبدة الأوثان، لأن كل أهل الجزيرة العربية من العرب أسلموا قبل أن تفرض الجزية ( فرضت بعد غزوة تبوك 9 هـ )، ( فلم يأخذها الرسول من اليهود من قبل ) ولو كان فيها عبدة أوثان لأخذها منهم، ـ كما يذكر ابن القيم... ثم يقول إن المجوس أفجر من عبدة الأوثان، فالمجوس عبدة نار، يقولون: إن الدنيا لها صانعان: صانع للخير، وصانع للشر، أما عبدة الأوثان فهم على كفرهم، يُقِرُّون لله بالربوبية، وينكرون ألوهيته، وإنما يتخذوا هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى ( كما يزعمون )، فإذا جاز أخذها من المجوس، جاز أخذها من عبدة الأوثان.
    وتفرض هذه الجزية على كل (محتلم) بلغ الحلم (أي بلغ سنَّ التكليف)، فلا تُفْرَضُ على الصغير، ولا المجنون، ولا النساء، ولا العبيد، ولا على غير المستطيع، فلم يأخذ المسلمون الجزية من الفقراء، وهذا عدل من الله عز وجل، طبقه المسلمون، وفي ذلك ردٌّ على أية مزاعم استشراقية بأن المسلمين يستغلون أهل البلاد المفتوحة، أو أنهم يعاملونهم بقسوة وظلم. فلو قارنَّا الجزية بالزكاة سنجدها أقل، ولو قارناها بما كانوا يدفعونه للروم من ضرائب لوجدنا أن الجزية أقل بكثير، وكان هذا رحمة من الله سبحانه وتعالى بهم.

    حمص وموقف له وقفة

    بدأ الجيش الإسلامي بقيادة (خالد بن الوليد) رضي الله عنه في الاتجاه نحو مدينة حمص التي يقول الإصطخري ( أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين ) في المسالك والممالك عنهـا:
    من أصح بلاد الشام تربة، في أهلها جمال ٌ مفرط، وليس بها عقارب ولا حيات، ولها مياه وأشجار وزروع كثيرة، وبها كنيسة من أعظم كنائس الشام.، ويأتي القزويني بعده بـ 400 سنة في القرن السابع الهجري) ليصفها في (آثار البلاد وأخبار العباد ) بأنها:" مدينة حصينة بأرض الشام، أصح بلاد الشام هواءً وتربة، وهي كثيرة المياه والأشجار، وأهلها موصوفون بالجمال المفرط"، ويذكر ( ابن بطوطة ) في " تحـفـة النـظـار " أنها: "مدينة مليحة، أرجاؤها مونقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة، وأهل حمص عرب، لهم فضلٌ وكرم ".
    اتجه الجيش الإسلامي من (بعلبك) إلى (حمص)، وعلى أبواب حمص يُخرِجُ لهم الروم قوة كبيرة نسبيًا، تقابل المسلمين في بلدة تسمى ( جوسيه) على بعد 30 كلم جنوب غربي حمص، فيقابلهم المسلمون، ويحمسهم ( خالد بن الوليد )، قائلاً: ( يا أهل الإسلام الشدة، الشدة.. ) فانطلقت أسياف المسلمين تعمل في رقاب الروم، فهُزِمَ الرومُ هزيمةً نكراء، وفروا إلى داخل الحصن، فتتبعهم المسلمون.
    كان أحد المسلمين واسمه ( شرحبيل الحميري ) فارسا من فرسان المسلمين، طارد مجموعة من الروم، فشرد عن جيش المسلمين، حتى وصل في مطاردته إلى نهر صغير، فوقف على أطراف النهر يسقي فرسه، ثم جاءه 30 فارسا روميا على الضفة الأخرى؛ فلما رآهم ضرب فرسه ليعبر لهم النهر، فعبره، وهجم على الفرسان الثلاثين، حتى تمكن من قتل أحد عشر فارسًا منهم، وفر بقية الروم...
    وهذا الموقف لا يمكن أن يمر علينا بسهولة، إذ إن ما حدث يتنافى تمامًا مع المنطق العقلي، ومع طبيعة الأمور، إذ كيف يمكن لرجل واحد أن يتغلب بمفرده على ثلاثين فارسًا؟!!فالكثرة - كما يقولون - تغلب الشجاعة، ولكن هذا المنطق لا ينطبق مع المسلمين، إذ مع المسلمين يغلب الإيمان الكثرة، فهذا المجاهد المسلم ( الذي اُستُشهِد بعد ذلك )، الذي هجم عليهم، وقتل منهم أحد عشر فارسًا، أيده الله عز وجل، وألقى الهزيمة النفسية في قلوب أعداءه الثلاثين الذين لو التفوا حوله لقتلوه، فمن المستحيل أن يتخيل العقل أن يقاتل واحد عشرة بمفرده، فما بالك بثلاثين؟!! فالهزيمة النفسية التي عند الروم، والرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم كان أشد عليهم، ولذلك هربوا من الفارس المسلم.
    والجدير بالذكر في هذا الصدد أن هذا الأمر ليس خاصًا بالكفار فقط، وإنما يشمل المسلمين أيضا، فإذا ابتعد المسلمون عن طريق الله سبحانه وتعالى، واقترفوا المعاصي، وانشغلوا بالدنيا وتركوا الجهاد في سبيل الله ؛ فإن الله عز وجل سيلقي في قلوبهم الوهن، والرعب من الكفار !! ومن ثَمَّ سيُسْلِمون رقابهم لأعدائهم، وهذا واقع، حدث في فترات الضعف للمسلمين،كما حدث أثناء حروب التتار مع المسلمين في بغداد، فقد كان التتار يقتلون المسلمين: واحًدا واحدًا، والمسلمون لايدافعون عن أنفسهم، بل وفعل ذلك نساء التتر المقاتلات ! حتى كان التتري يأمر المسلمين بالوقوف حتى يذهب ويأتي بسيفه، ثم يعود ليقتلهم، وهم لا يتحركون من أماكنهم، من شدة الخوف !!!
    ولا شك أن المسلمين اليوم مستضعفون من جميع الدول والقُوى، وهم يعيشون في دول مستضعفة و(متخلفة !!)، تسمى دول العالم الثالث كتسمية مهذبة بدلا من نعتها بالمتخلفة، وهو أمر لا ينكر، فإذا أردنا أن نغير الواقع، يجب علينا العودة إلى الأصول، إذا لم يكن لدينا الإيمان، وكان لدينا قوة عظيمة، وأعداد ضخمة، (مثلما كان المسلمون وقت اجتياح التتار)، فإننا لن ننتصر إلا بالقوة الرُّوحية، قوة الإيمان بالله عز وجل، فلو تمكنت العقيدة من القلوب، وأحب المسلمون الجهاد أكثر من حب الدنيا، وتاقت أنفسنا إلى الجنة، فإن الله عز وجل سينعم علينا بالنصر، وهذا أمر من الأصول الإسلامية.
    فهذا الرجل المجاهد المسلم ( شرحبيل الحميري ) من الغرباء الذين يجهلهم الناس، ولكن الله يعرفهم، وقد دخل بعد ذلك أحد الأديرة، فأُلقيت عليه حجارة من البيوت، ولم يستطع أحدٌ أن يقاتله سيفًا بسيف، فقتل شهيدًا رضي الله عنه وأرضاه.

    المسلمون في حـمـص واستكمال الفتح بعد أن حقق المسلمون هذا النصر على هذه القوة الرومية التي قابلتهم على أبواب حمص، وفَرَّ بقية الروم، إلى داخل الحصن، ذهب المسلمون وحاصروا "حمص"، وكان حصنًا شديدًا منيعًا، وعلى قوته، فقد حاصره المسلمون 18 يومًا، ثم أعلن أهل حمص الاستسلام للمسلمين، وقبول المعاهدة، ودفع الجزية و سلموا حمص للجيش الإسلامي، وتخلت بذلك الحامية الرومية مرة ثانية عن مدينة من أقوى المدن الشامية ( التي ظلت حصينة حتى القرن السابع الهجري ) ولابد أن يكون لذلك تفسير، ومبرر، إذ كيف يستسلمون هكذا بكل يسر، وقد قاتلوهم من قبل بشدة في " أجنادين "، وصبروا على حصارهم ( 4 أشهر ) في دمشق !! وقاتلوهم في " أجنادين " و" بيسان "، فكيف يتركون لهم هذه المدن الحصينة ؟؟؟!!
    (بعد أن دخل المسلمون مدينة حمص، قدموا معاهدة لأهلها، كما فعلوا مع أهل " بعلبك"، و طالبوهم بدفع الجزية، التي بلغت 170 ألف دينار في السنة، (4 دنانير لكل شخص، مما يدل أنه كان بها أكثر من 40 ألف نسمة ) وقد كانت من البلاد الكبيرة.
    أبو عبيدة يستكمل الفتح:
    وبعد أن سيطر المسلمون على مدينة حمص مباشرة، أرسل "أبو عبيدة بن الجراح " قوة إسلامية نحو الشرق بقيادة "شرحبيل بن الصَّلْت " إلى الجزيرة "بلاد فارس"، وأرسل قوة أخرى من حمص إلى الشمال، بقيادة " ميسرة بن مسروق " لفتح "حلب "، في أقصى شمال الشام، وبعد أن أرسل هاتين القوتين، أرسل رسالة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يبشره فيها بالنصر، كان مما جاء فيها: ( الحمد لله الذي أفاء علينا وعليك يا أمير المؤمنين، أفضل كورة في الشام، أهلاً وقلاعًا، وأكثرهم عددًا وجمعًا وخراجًا، وكانت أيسرهم على المسلمين فتحًا... وختم رسالته بقوله: ونسأل الله مالك الملوك وناصر الجنود أن يعز المسلمين بنصره، وأن يُسلمَ المشركَ الخاطئَ بذنبه ) وهذا مفهوم راقٍ جدًا من أبي عبيدة رضي الله عنه، فهو يعلم أن هذا المشرك قد سلمه الله عز وجل للمسلمين، لخطأ هذا المشرك بذنبه، وأن المسلمين يعبدون الله سبحانه وتعالى، هذا هو ما جعل المسلمين ينتصرون...
    أثر الطاعة والمعصية في النصر:
    (( ونذكر وصية عمر لسعد بن أبي وقاص في حرب فارس، جاء فيها: وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم.فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. وإنما ينُصَرُ المسلمون بمعصية عدوهم لله، وطاعتهم هم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، فعددنا ليس كعددهم، وعُدتنا ليست كعُدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة.. وإلا نُنْصرْ عليهم بفضلنا، لم نغلبْهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في داركم حفظةً من الله، ولا تقولوا: إن عدونا شرٌ منا فلن يُسلَّطَ علينا، فرُبَّ قومٍ سُلِّطَ عليهم شَرٌّ منهم، وقد سَلَّطَ الله المجوسَ عبدةَ النارِ على بني إسرائيل، وكانوا شرًّا منهم، فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولاً، وذلك لمَّا عملت بنو إسرائيل بمعاصي الله.... وكذلك الحال في كل عصر من العصور، إذا عصى المسلمون ربهم عز وجل، وابتعدوا عن دينه، فإن الله عز وجل يسلط عليهم من هو شر منهم ( وليس ما يحدث في فلسطين منا ببعيد ) يسلط علينا المجوس، أو اليهود... فيقتلوا إخواننا، ويستحيوا نساءنا، و يحرقوا المساجد، ويفعلوا كل شيء بالمسلمين، والمسلمون يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويفعلوا بعض الخيرات، ومع ذلك يكتب الله النصر لأعدائهم، وذلك لانشغال المسلمين بالدنيا، وتعلقهم بها، وانهماكهم في المعاصي، والموبقات !! فاستَوَوْا هم والكفار في المعصية، فلم يؤيدهم الله بنصره.
    من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم أن تضييع صلاة الفجر قد يُؤخِّر النصر، وأن النظرة الحرام قد تؤخر النصر، وأن عدم ارتداء النساء البالغات للحجاب قد يؤخرالنصر !! ولا يقول أحدنا: إنه واحد، ويظن أن الله لن ينزل عذابه على المسلمين ؛لأنه هو بمفرده يعصي الله سبحانه وتعالى، فإنما الأمة مجموعة من الرجال !! حتى وإن كان فيها بعض الصالحين، كما سأل الصحابةرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنهلك وفينا الصالحون ؟؟، قال: نعم، إذا كثر الخبث !! ) ( في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها ) وقد كَثُر، فيجب أن ننظر لأنفسنا، ونحاسبها، ونستحي من معاصينا، أن تكون سببًا في تأخر النصر الذي نستحقه، إن نحن فعلنا ما أوجبه الله علينا، وتكون لنا العزة في الدنيا والآخـرة.
    ويذكر أبو عبيدة للفاروق عمر في آخر رسالته أنه أرسل فرقة إلى ملك الروم وفرقة إلى الجزيرة.
    تصل الرسالة إلى عمر بن الخطاب، فيقرؤها، ويصدر أوامره...

    </blockquote>

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:29 pm


    فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب


    ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله والى الإسلام أو يبذلون الجزية أو يؤذنون بحرب فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم فهوى ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء كخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان فترجل أبو عبيدة وترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة فكف أبو عبيدة فكف عمر.

    ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ويقال أنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه وفي الثانية بسورة بني إسرائيل ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه ونقل المسلمون معه في ذلك وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهى المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة وانسحب الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الأقصى.

    وذكر سيف في سياقه أن عمر رضى الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي ولا بينه وبين الله هوادة فمن أراد لحب طريق وجه الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن وهي خطبة طويلة اختصرناها.

    ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس وقد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان ثم أبو عبيدة ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج فسار إليهم عمر ليحضنهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم فسكت عنهم واجتمع الأمراء كلهم بعدما استخلفوا على أعمالهم سوى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فينما عمر في الجالبية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر إن هؤلاء قوم يستأمنون فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضى الله عنه إلى ما سألوا وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة وضرب عليهم الجزية واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير وشهد في الكتاب خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وهو كاتب الكتاب وذلك سنة خمس عشرة ثم كتب لأهل لد ومن هنالك من الناس كتابا آخر وضرب عليهم الجزية ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء.

    ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد أقبل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها واعتنقهما عمر معا رضى الله عنهم قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توخى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده ففتحت إيلياء وأرضها على يديه ماخلا أجنادين فعلى يدي عمرو وقيسارية فعلى يدي معاوية هذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة.

    قال أبو مخنف لما قدم عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين
    ثم أنشد قول النابغة:

    هما فتيا دهر يكر عليهما == نهار وليل يلحقان التواليا
    إذا ما هما مرا بحي بغبطة == أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا

    وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سال كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال يا أمير المؤمنين اذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة كما فعلت اليهود بمكان القمامة وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله نص الله تعالى على خطئهم في ذلك والمقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلثمائة سنة طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل أنه كنسها بردائه ثم استشار كعبا أين يضع المسجد فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة فضرب في صدره وقال يا ابن أم كعب ضارعت اليهود وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس قال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس قال قال ابن سلمة فحدثنى أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب أين ترى أن أصلى قال إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله  فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط ردائه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر ما رواه من الأحاديث المرفوعة وما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة.

    وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الربيع بن ثعلب نا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم ابن هرمز المكي عن ابي الغالية الشامي قال قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامة تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب وطاؤه كساء إنبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذ نزل وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه فقال ادعوا لي رأس القوم فدعوا له الجلومس فقال اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا فأتى بقميص كتان فقال ما هذا قالوا كتان قال وما الكتان فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه فقال له الجلومس أنت ملك العرب وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم فقال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلا فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال احبسوا احبسوا ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتى بجمله فركبه.

    وقال إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان عن أيوب الطائي عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال له أبو عبيدة قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا قال فصك في صدره وقال أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغير يذلكم الله.

    أما العهدة العمرية التي أجمع عليها صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فهذا نصها: ( بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان - وإيلياء هي القدس - أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم ، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ، ولا من صليبهم ، ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود - نعم أيها المسلمون ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود - وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم ، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم ، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية ، شهد على ذلك خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان وكتب وحضر سنة خمس عشرة )


    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:30 pm


    ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله والى الإسلام أو يبذلون الجزية أو يؤذنون بحرب فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم فهوى ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء كخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان فترجل أبو عبيدة وترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة فكف أبو عبيدة فكف عمر.
    ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ويقال أنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه وفي الثانية بسورة بني إسرائيل ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه ونقل المسلمون معه في ذلك وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهى المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة وانسحب الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الأقصى.

    وذكر سيف في سياقه أن عمر رضى الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي ولا بينه وبين الله هوادة فمن أراد لحب طريق وجه الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن وهي خطبة طويلة اختصرناها.

    ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس وقد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان ثم أبو عبيدة ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج فسار إليهم عمر ليحضنهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم فسكت عنهم واجتمع الأمراء كلهم بعدما استخلفوا على أعمالهم سوى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فينما عمر في الجالبية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر إن هؤلاء قوم يستأمنون فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضى الله عنه إلى ما سألوا وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة وضرب عليهم الجزية واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير وشهد في الكتاب خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وهو كاتب الكتاب وذلك سنة خمس عشرة ثم كتب لأهل لد ومن هنالك من الناس كتابا آخر وضرب عليهم الجزية ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء.

    ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد أقبل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها واعتنقهما عمر معا رضى الله عنهم قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توخى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده ففتحت إيلياء وأرضها على يديه ماخلا أجنادين فعلى يدي عمرو وقيسارية فعلى يدي معاوية هذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة.

    قال أبو مخنف لما قدم عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين
    ثم أنشد قول النابغة:

    هما فتيا دهر يكر عليهما == نهار وليل يلحقان التواليا
    إذا ما هما مرا بحي بغبطة == أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا

    وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سال كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال يا أمير المؤمنين اذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة كما فعلت اليهود بمكان القمامة وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله نص الله تعالى على خطئهم في ذلك والمقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلثمائة سنة طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل أنه كنسها بردائه ثم استشار كعبا أين يضع المسجد فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة فضرب في صدره وقال يا ابن أم كعب ضارعت اليهود وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس قال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس قال قال ابن سلمة فحدثنى أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب أين ترى أن أصلى قال إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله  فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط ردائه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر ما رواه من الأحاديث المرفوعة وما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة.

    وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الربيع بن ثعلب نا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم ابن هرمز المكي عن ابي الغالية الشامي قال قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامة تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب وطاؤه كساء إنبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذ نزل وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه فقال ادعوا لي رأس القوم فدعوا له الجلومس فقال اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا فأتى بقميص كتان فقال ما هذا قالوا كتان قال وما الكتان فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه فقال له الجلومس أنت ملك العرب وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم فقال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلا فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال احبسوا احبسوا ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتى بجمله فركبه.

    وقال إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان عن أيوب الطائي عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال له أبو عبيدة قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا قال فصك في صدره وقال أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغير يذلكم الله.

    أما العهدة العمرية التي أجمع عليها صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فهذا نصها: ( بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان - وإيلياء هي القدس - أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم ، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ، ولا من صليبهم ، ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود - نعم أيها المسلمون ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود - وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم ، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم ، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية ، شهد على ذلك خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان وكتب وحضر سنة خمس عشرة )

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:30 pm


    فتح المدائن



    ذكرنا أنه بعد شهرين من الحصار توصل المسلمون إلى سلاح جديد يعينهم على فتح هذه المدينة الصعبة؛ فقد أشار بعض الفرس المسلمين على سعد بن أبي وقاص بأن يستعمل سلاح المنجنيق (والمنجنيق لم يكن معروفًا عند العرب، وهو نوع من الأسلحة الثقيلة يشبه الدبابات في عصرنا؛ فالمنجنيق جهاز ضخم جدًّا مثل المقلاع يلقي بالأحجار الضخمة داخل الحصون)، فصنع المسلمون أكثر من منجنيق، ووضعوها جنبًا إلى جنب على حدود مدينة بَهُرَسِير، وبدءوا في جمع الحجارة الضخمة ووضعها في مقلاع المنجنيق ورميها على مدينة بهرسير، وبدأت هذه الحجارة تتخطى السور، وتقع على أهل بهرسير. صبر أهل بهرسير بعض الوقت، ولكن بعد أن زاد عليهم الضرب، وكثرت أسهم المسلمين المطلقة عليهم بدءوا يفكرون في الاستسلام، وبالفعل بعدما اقترب الشهران من نهايتهما، خرج رسول منهم يطلب الاستسلام، ولكن على أساس أن يصبح للمسلمين كل ما هو في غرب دجلة، وألا يقاتل الفرسُ المسلمين على هذه المنطقة بعد ذلك، وللفرس ما في شرق دجلة.
    وهذا -بلا شك- لأنهم لم يفهموا الرسالة التي جاء بها المسلمون، فالمسلمون جاءوا لكي يفتحوا هذه البلاد حتى ينشروا الإسلام في كل الأرض؛ فحدود الفتح الإسلامى لن تقف عند دجلة، ولن تقف عند العراق، ولن تقف عند فارس، ولن تقف عند أية حدود، حتى يَعُمَّ الإسلام الأرض كلها. وكان من الطبيعي أن يرفض المسلمون هذا العرض، فقال لهم الفرس: أما شبعتم، لا أشبعكم الله؟! فبدأ المسلمون يستكملون الضرب بالمجانيق والسهام على الفرس، فما كان من الفرس إلا أن تسللوا خلسة من مدينة بهرسير على هذا الجسر العائم من بهرسير إلى أسفانبر، وتركوا المدينة خالية، والمسلمون مستمرون في ضرب المدينة، ولم يعلموا أن المدينة خالية حتى خرج لهم أحد الفرس طالبًا الأمان، فأمَّنه المسلمون، فقال لهم: إن المدينة أصبحت خالية. وبالفعل تسلق المسلمون الأسوار، ودخلوا مدينة بهرسير؛ فوجدوها -فعلاً- خالية وبها كميات ضخمة من الأسلحة، وكميات ضخمة من العتاد، كان من الممكن أن تعين الفرس على الصبر على القتال والحصار، لكنهم فقدوا حمية القتال وفقدوا الروح القتالية، وانهزموا هزيمه نفسية شديدة أمام هؤلاء الأبطال المسلمين المصِرِّين على هذا الحصار؛ وهربوا جميعًا إلى منطقه أسفانبر.
    دخل المسلمون بهرسير بعد أن تسلقوا الأسوار، فدخلت الجيوش الإسلامية الواحد تلو الآخر قرب منتصف الليل، وقد ذكرنا أن جيش المسلمين قد وصل في هذه الفترة إلى أكبر قوة إسلامية على وجه الأرض في هذه اللحظة، حيث بلغ قوامه ستين ألف جنديٍّ مقاتل مسلم، وقد كان أكبر جيش للمسلمين قبل ذلك جيش سيدنا أبي عبيدة بن الجراح في موقعة اليرموك حيث كان 38 ألفًا، فبعد انتصار القادسية تَوَالى المدد على سيدنا سعد بن أبي وقاص من المدينة ومن كل الجزيرة العربية بعد أن كُسِرَت شوكة الفرس، وعلا شأن المسلمين، وبدأ المسلمون الذين كانوا مترددين في الخروج لقتال الفرس يخرجون للقتال مع الجيش الإسلامي، 60 ألف مقاتلٍ مسلمٍ عبروا هذا السور تسلقًا ودخلوا بهرسير، ولم يجدوا فارسيًّا واحدًا في المنطقة بأكملها، وأخذوا يزحفون على كل المدينة حتى وصلوا إلى شاطئ دجلة الغربي، ونظروا منه في منتصف الليل إلى الناحية الأخرى من الشاطئ، فوجدوا مدينة أسفانبر، فصاح ضرار بن الخطاب: الله أكبر! هذا أبيض كسرى، هذا ما وعد اللهُ ورسولُه. فقد رأوا من هذه المنطقة على الناحية الأخرى إيوان كسرى، وهو بناء ضخم ارتفاعه ما بين 28 إلى 29 مترًا (أي نحو عشرة أدوار في هذا الوقت من الزمن حين كان العرب كلهم يسكنون في الخيام أو في بيت من دور واحد مبني من طوب لَبِن، لكن هذا البناء كان ارتفاعه من 28 إلى 29 مترًا)، وقبته البيضاوية كانت ضخمة للغاية، ويحيط بالبناء كله أشجار، لكن القبة تعلو فوق هذه الأشجار؛ لذلك رآها المسلمون وهم على شاطئ دجلة الغربي، وقد أوقد الفرس حولها المصابيح، فظهر إيوان كسرى أبيض متلألئًا وسط الجهة الأخرى؛ فصاح ضرار بن الخطاب: هذا ما وعد الله ورسوله. يتذكر ما وعد به الله ورسوله المسلمين في غزوة الخندق.
    ونتذكر يوم الخندق:
    وكان ضرار بن الخطاب هذا -وقتئذٍ- مشركًا، وكان في جيش قريش الذي يحاصر المدينة، ولكن ضرارًا علم بعد ذلك بهذا الوعد بعد أن أسلم، ونتذكر جميعًا ما حدث يومَ الخندقِ، ونسترجع معًا أن الرسول r بعد أن وافق على اقتراح سيدنا سلمان الفارسيِّ بحفر الخندق حول المدينة، بدأ المسلمون جميعًا يحفرون في هذا الخندق حتى وصلوا إلى صخرة ضخمة استعصت على المسلمين، وكانت هذه الصخرة من نصيب سلمان الفارسي، فاستعصت عليه وكان شديد الساعد قوي البنيان، ومع ذلك لم يستطع تحطيم هذه الصخرة؛ فذهب إلى رسول الله r يستأذنه في تغيير اتجاه الحفر ليتجنب هذه الصخرة، ولكن الرسول r ذهب بنفسه وعاين الموقف والمكان، ثم طلب معولاً، وبدأ يحطم هذه الصخرة بنفسه r؛ فضرب الصخرة ضربة شديدة بالمعول، فبدأت الصخرة تتفتت وخرج منها وهج شديد أضاء -كما يقول سلمان الفارسي t- ما بين لابتي المدينة، يعني نوَّر المدينة كلها؛ فصاح الرسول r: "الله أكبر! أُعطِيتُ مفاتيح الروم، هذه قصورها الحمراء"، ثم ضرب ضربة ثانية فأضاء المكان بشرر عظيم، فقال: "الله أكبر! أُعْطِيتُ مفاتيح كسرى، هذا أبيض كسرى". وهذا الذي نحن بصدد الحديث عنه الآن؛ ثم ضرب الضربة الثالثة، فقال: "الله أكبر! أعطيت لي مفاتيح اليمن، هذه قصور صنعاء". وبشَّر المسلمين في هذا الوقت وهم محاصَرون من قريش من كل جانب، والمسلمون يتخطفهم الخوف والجزَع والرعب من دخول المشركين عليهم المدينة، ومع ذلك -في هذا الوقت- يبشرهم r أنهم سيفتحون بلاد الروم أعظم قوة على الأرض، ويفتحون فارس، ويفتحون اليمن؛ فيقول المؤمنون في هذا الوقت: هذا ما وعد اللهُ ورسولُه. ثم يكرر المقولة ضرار بن الخطاب بعد أن أسلم، ويقول: الله أكبر هذا ما وعد الله ورسوله. سبحان الله! تأتي هذه المقولة منه، فتُذكِّر المسلمين بهذه البشرى العظيمة، ويبدءون في تكبير الفتح، وهو: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". هذا هو تكبير الفتح، وهذه الصيغة سنة عن الرسول r أن تُقال في الفتح، وليس سنة أن تُقالَ في العيد؛ لأن تكبير العيد هو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد فقط؛ ولكن المسلمين -لعذوبة هذه الكلمات- تعوّدوا أن يقولوها في العيد، وليس هذا هو الأصل.
    بدأ ستون ألف مسلم يكبرون هذا التكبير في صوت واحد استبشارًا بفتح المدائن، وحتى الآن لم يعبر المسلمون إلى الناحية المقابلة، ويصل هذا التكبير إلى الناحية الأخرى إلى يزدجرد كسرى فارس، وإلى جنود فارس؛ فيزيدهم رعبًا فبدءوا يفكرون، فالمسلمون على الأبواب، وصوتهم صوت التكبير يرعب الفرس رعبًا شديدًا، وقد نُصِرَ r ونُصِرَ أصحابُه بالرعب.
    فتح مدينة أسفانبر

    بدأ الفرس يُصابون بالرعب رغم أنهم كانوا مستعدين لملاقاة المسلمين، فقد جمعوا السفن الموجودة في دجلة على مسافة 150 كيلو مترًا من المدائن جنوبًا، و170 كيلو مترًا من المدائن شمالاً على شاطئ دجلة أمام المدائن على الناحية الشرقية؛ حتى لا يستطيع المسلمون أن يسيطروا على أية سفينة من الشمال أو الجنوب، ليعبروا بها إلى الضفة الأخرى، كما قطع الفرس الجسر العائم عند عبورهم من مدينة بَهُرَسير إلى مدينة أَسْفَانِبْر. فماذا يفعل سيدنا سعد بن أبي وقاص t ليعبر بجيشه؟
    هذا العبور كان -تقريبًا- في شهر مارس، وشهر مارس بداية الفيضان في نهر دجلة، ولكنه لم يكن قد وصل بعدُ إلى النهر، وكان في نهر دجلة بعض المخاضات التي من الممكن أن يسير فيها المسلمون؛ فأشار بعض الفرس على سيدنا سعد بن أبي وقاص أن يعبر بالجيش الإسلامي -وقوامه ستون ألفًا- نهر دجلة من إحدى هذه المخاضات، لكن سيدنا سعد بن أبي وقاص يتصف بالتريث والتمهل والحرص على الجيش الإسلامي؛ لذلك كان مترددًا ترددًا شديدًا في عبور هذا النهر العظيم بهذا الجيش، فلا سفينة ولا جسر ولا شيء يعينهم على العبور، ثم استخار الله I، ونام ليلة، فرأى رؤيا فيها خيول المسلمين تعبر نهر دجلة، والمياه تضرب في هذه الخيول (أي أن المياه شديدة والأمواج متلاطمة)، ومع ذلك رأى خيول المسلمين تعبر هذا النهر، فاستيقظ من النوم فقال: إن هذا ردُّ الاستخارة، وإن هذه الرؤيا رؤيا خير إن شاء الله. وقرَّر بعدها أن يعبر نهر دجلة بالخيول.
    كان هذا -بلا شك- قرارًا عجيبًا أن يعبر بـ(60) ألفًا بالخيول؛ فالخيول تجيد السباحة، لكن المسلمين أنفسهم لا يجيدونها في غالبيتهم؛ لأنهم يعيشون في الصحراء، ففي العبور -إذن- مخاطرة شديدة، لكن لم يكن أمام المسلمين حَلٌّ آخر يوصِّلُهم للناحية الثانية للمدائن وهم مصممون على فتح المدائن؛ فقرر سيدنا سعد بن أبي وقاص t العبور، بينما كان يزدجرد في الناحية الأخرى مطمئنًّا تمام الاطمئنان أن المسلمين لن يعبروا هذه المنطقة قبل أربعة أو خمسة شهور على الأقل؛ لأن الفيضان ينتهي في أوائل أكتوبر وتبدأ المياه عندها في التراجع. ويتمكن المسلمون من عبور النهر على الخيول، وعندما بدأ الجيش بالعبور فاجأهم الفيضان قبل موعده بأسبوعين أو ثلاثة، ولكن سيدنا سعد بن أبي وقاص لم يمنعه هذا الفيضان أن ينفذ وعده للمسلمين بعبور هذا النهر؛ فجمع المسلمين كلهم، وقال لهم: "إني قد قررت أن أعبر بكم هذا النهر، فما زلتم في هذا المكان وهم في المكان الآخر ومعهم السفن يناوشوكم". يعني: ما دامت السفن معهم سيظلون في هجوم دائم عليكم في كل وقت ويرجعون، ولكن لو عبرنا لهم فسوف تكسر شوكتهم في مدينتهم؛ فوافق المسلمون على ذلك، وهذا الموقف يشبه موقف العلاء بن الحضرمي قائد الجيش السابع من جيوش الردة لسيدنا أبي بكر الصديق t، وكان قد فتح البحرين عبورًا كذلك على الخيول من غير سفينة ولا شيء؛ فقد ذكرنا أنه عندما ذهب ليفتح البحرين فَرَّ الناس بالسفن، فعبر الخليج العربي إلى البحرين بالخيول، لكن العلاء كان معه جيش من ألفين، أما سيدنا سعد فمعه ستون ألفًا.
    بدأ الجيش في العبور -ويعلم سيدنا سعد بن أبي وقاص أن الفرس قد وضعوا على حدود مدينة "أَسْفَانِبْر" خارج السور على شاطئ نهر دجلة قوات فارسية للدفاع عن مدينة أَسفانبر، وهو يريد أن تصل أقوى فرقة من فرق المسلمين إلى شاطئ دجلة في الناحية الثانية حتى تلاقي هذا الحرس الفارسي لقاءً قويًّا عنيفًا- وكان عند سيدنا سعد بن أبي وقاص كتيبة تسمى "الخرساء" وهي أقوى كتائب المسلمين، وكان سيدنا سعد بن أبي وقاص يوكل لها المهام الصعبة، وتُسَمَّى الخرساء؛ لأنها كانت تخرج على الجيوش المعادية بدون صوت غير الهجوم المفاجئ على الجيوش المعادية دون أي تنبيه أو إنذار بالهجوم، وكان قائد هذه الكتيبة سيدنا القعقاع بن عمرو التميمي.
    لم يرضَ سيدنا سعد بن أبي وقاص أن يأمر كتيبته الخرساء بالهجوم في أول دجلة؛ لأنه يعلم أن الأمر في منتهى الصعوبة، فآثر أن يكون هذا الأمر تطوعًا، وأعلن في المسلمين أنه من يريد أن يتطوع لعبور دجلة في مقدمة الصفوف فليتطوع؛ فتقدم له من المسلمين 600 متطوع تقدموا ليكونوا أول أناس تعبر دجلة، فأطلق عليهم سعد بن أبي وقاص "كتيبة الأهوال"، وأي هولٍ أكثر من أن يعبروا نهر دجلة على الخيول وفي مقابلتهم الجيش الفارسي على الضفة الأخرى في وقت الفيضان؟!
    وبالفعل بدأ الـ 600 يجهزون أنفسهم للعبور، وأُمِّرَ عليهم سيدنا عاصم بن عمرو التميمي t البطل المسلم الذي له في كل موقعة ذِكْرٌ. أَمَرَ سيدنا عاصم كتيبته أن يتخذوا من أنفسهم 60 فردًا؛ ليكونوا في مقدمة الـ 600، وهؤلاء الـ 600 في مقدمة الـ 60000؛ فخرج له ستون فارسًا من فرسان المسلمين الأشداء، وطلبوا أن يكونوا على مقدمة الصفوف، فخرج بهم سيدنا عاصم بن عمرو التميمي، واقتحم بهم دجلة t، وأمر الجيش بأن يشرع الرماح، ويلقي بالرماح في عيون الفرس، ويقول لهم: لا تضربوا الفرس في أي مكان، ولكن اضربوهم في العيون. وهذا الأمر قد تكرر من قبل في موقعة الأنبار، فقد أمر سيدنا خالد بن الوليد الجيوش الإسلامية في هذه الموقعة أن تلقي بالسهام في عيون الفرس؛ فأصابوا منهم في ذلك الوقت ألف عين، وسميت موقعة الأنبار بذات العيون؛ لأنه فُقِئَ فيها ألف عين للفرس، فأراد سيدنا عاصم بن عمرو التميمي أن يلقي الرعب والرهبة في قلوب الفرس من مهارة المسلمين في رمي السهام والرماح، كما يريد أن يعطل قدراتهم القتالية، فإذا لم يُقْتل الواحد منهم، فإنه يصير أعور، ويترك القتال.
    وبالفعل تقدم ستون وتبعهم الستمائة، وبقي الستون ألفًا واقفين على الشاطئ ينظرون: ماذا سيفعل هؤلاء الأبطال الستمائة؟! وبدأ سيدنا عاصم يقتحم دجلة بالخيول، وأذهلت المفاجأة الفرس؛ إذ كيف يأخذ المسلمون خيولهم مقتحمين دجلة وسط الفيضان. هذا شيء لم يكن يخطر لهم على بالٍ أبدًا، وبدءوا في إنزال قوات فارسية على خيول أيضًا؛ لتقاتل المسلمين في المياه. فرقٌ كبير جدًّا بين القوات المسلمة على الخيول، وبداخلهم روح عظيمة جدًّا؛ فهم منتصرون في موقعة القادسية، وعندهم إيمان شديد بأن الله سيفتح عليهم هذه البلاد، ويفتح عليهم أبيض كسرى الذي وعد اللهُ به ورسولُه، وبين الفرس الذين تملؤهم هزيمة نفسية قاسية؛ فهم قد هُزِمُوا هزيمةً شديدةً في موقعة القادسية، كما هربوا من مدينة بهرسير ذات الأسوار العظيمة، وتجمعوا في مدينة المدائن منتظرين الجيوش الإسلامية، إحساس المنتصر يختلف عن إحساس المنهزم، أضف إلى ذلك أن المهارة الإسلامية تفوق المهارة الفارسية في القتال، وكذلك تفوق الخيول الإسلامية الخيول الفارسية؛ فاجتمعت هذه العوامل جميعًا، ودخل الفرس في حرب خاسرة منذ البداية مع المسلمين وسط المياه، والتقى المسلمون مع الفرس بالرماح، وشهروا الرماح في أعين الفرس؛ ففقئوا منهم العيون، وصار الفرس بين قتيل وأعور وفارٍّ من المسلمين، وكان الأولى والأكثر حكمة في القتال أن يصبرَ الفُرْسُ على وجودهم على الشاطئ ليُلْقُوا على المسلمين السهام، ويتريثوا بعدم الدخول مع المسلمين في موقعة بعد أن أدركوا قيمة المقاتل المسلم. وقد جعل اختلاط المسلمين بالفرس في القتال داخل المياه القوات الفارسية التي على الشاطئ عاجزةً عن رمي الأسهم على الجيش المسلم؛ فانتصر المسلمون عليهم انتصارًا عظيمًا، وعبر سيدنا عاصم بن عمرو التميمي والستمائة مقاتل الذين معه نهر دجلة، ووصلوا الشاطئ الشرقي لنهر دجلة؛ ليقاتلوا القوات الفارسية الموجودة على الجهة الأخرى، وسيدنا سعد بن أبي وقاص على الناحية الأخرى يراقب الموقف، ويكبر هو والمسلمون كلما زاد تقدم المسلمون، وذلك يزيد حميَّة وحماسة الجيش المسلم، ويَفُتُّ في عَضُدِ الجيش الفارسي، وبدأ المسلمون يُعمِلُون سُيُوفَهم في الرقاب الفارسية خارج أسوار "أسفانبر" على الشاطئ الشرقي لنهر دجلة، حتى أتاهم رجل من داخل مدينة أسفانبر من داخل السور، ونادى على الفرس قائلاً: علامَ تقتلون أنفسَكم؟! ليس في المدينة أحد، كل من بالمدينة هربوا. وعندما سمع الفرس هذا الكلام انهزموا هزيمة نفسية شديدة، وبدءوا يفِرُّون من أمام القوات الإسلامية.
    وشاهد ذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص فأمر الستين ألفًا بعبور دجلة على خيولهم، وبدأت القوات الإسلامية تعبر دجلة، وسيدنا سعد بن أبي وقاص يقول لهم: اعبروا مَثْنَى مَثْنَى. أي اثنين اثنين؛ وذلك حتى يكونا عونًا لبعضهما البعض؛ فإذا سقط أحدهما في الماء، أو غرق يستطيع الآخر أن يساعده، أو يخبر المسلمين عنه، وأمرهم أن يقولوا: "نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونِعْمَ الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". فهذا دَيْدَنُ الجيش الإسلامي وهو يعبر دجلة، وكان في موقعة القادسية قد أوصاهم أن يقولوا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فهم في كل موقعة لهم ذِكْرٌ لله I، يستشعرون به مساعدة الله I ونصره لهم.
    هروب كسرى فارس:
    فيعبر المسلمون مثنى مثنى في هذا الوقت إلى مدينة "أسفانبر"، وقصرها الأبيض قصر بوابته شرقية مواجهة لدجلة، وفي هذا الوقت كان كسرى فارس يهرب من هذا الموقف الرهيب: موقف ملاقاة المسلمين، حيث هرَّبوه في زبيل (وهو شيء مثل القفة أو يشبه الجوال، يدخلوه فيه حتى لا يراه أحد) من الباب الخلفي لقصره، ويهرب خارج الأسوار إلى مدينة حلوان على بُعْدِ 200 كيلو مترٍ من المدائن، وهذه هي المرة الثانية التي يُوضع فيها كسرى فارس في زبيل أو قُفَّة؛ فالمرة الأولى عندما كان صغيرًا، فقد كان كسرى أنوشروان يقتل كل الناس الذين يستحقون الملك حتى لا ينافسه أحد في ملك فارس، فهربت به أمه ووضعته في قُفّة، وخرجت به من هذا القصر نفسه، وهربت به واختفت في أهل فارس حتى أَتَى به أهل فارس، وعيَّنوه كسرى فارس ولم يكن يرغب في ذلك؛ فقد كان عمره 23 سنة عندما ملّكوه عليهم.
    كان سيدنا سعد بن أبي وقاص يعبر هو والجيش مثنى مثنى، وكان الذي يعبر معه سيدنا سلمان الفارسي t، وهذا أمر لا بُدَّ أن نقف كلنا أمامه وقفة مهمة.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:31 pm

    فتح مصر
    كان عمرو بن العاص رضي الله عنه أحد قادة فتح الشام، وقد اختص بفتح الجزء الجنوبي وهو فلسطين، فلما تم فتح بيت المقدس، أخذ عمرو في التفكير في فتح مصر، وكيفية إقناع الخليفة عمر بن الخطاب بالأمر وبمقدرته الفائقة في الإقناع وسوق الحجج والبراهين، استطاع عمرو أن يقنع عمر بالفكرة، ويهون عليه أمرها ويعرفه بثرائها ووفرة مواردها، ويحذره من خطورة تركها بيد الرومان الذين قد يجعلونها قاعدة للهجوم على الشام واستعادتها من أيدي المسلمين، وفي النهاية وافق الخليفة وأمده بأربعة آلاف مقاتل وذلك أواخر سنة 18هـ، أما ما يقال عن أن عمرو بن العاص قد تحرك دون إذن الخليفة وأقدم على المسير إلى مصر من تلقاء نفسه فلا يصح عقلاً ونقلاً، أما ما ورد من أن الخليفة عمر قد أرسل برسالة يطلب فيها من عمرو العودة، فهذا الأمر بعد أن أذن له بالمسير في المرة الأولى، ثم عادت مخاوف عمر تطارده خاصة بعد أن استشار العديد من كبار الصحابة فتخوفوا من الفتح، فأرسل بهذه الرسالة يقول له: «إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك». ونستطيع أن نقسم حوادث الفتح الإسلامي لمصر إلى أدوار ثلاثة:
    (1) الدور الأول: من بدء الفتح إلى وصول الإمدادات، وفيها دخل المسلمون أرض مصر في أول سنة 19هـ ـ 640م وفتحوا مدينة العريش ووصلوا حتى مدينة الفرما «شرقي بورسعيد الحالية» وكانت مدينة ذات حصون ولها مرفأ قريب على البحر، وبقدر الله عز وجل أهمل الروم هذه المدينة الحصينة، فاستطاع المسلمون فتحها بعد حصار دام شهرًا واحدًا، وأيقن عمرو بن العاص من هذا الصدام صعوبة فتح بلاد مصر كثيرة الحصون، بهذا العدد القليل من الجند، فأرسل يطلب إمدادات خاصة بعد أن ترك جزءًا من جيشه حاميات للعريش والغرما، فأرسل الخليفة إليه بإمدادات كثيرة فبلغ الجيش الإسلامي 15600 جندي.
    (2) الدور الثاني: من وصول المدد حتى فتح حصن بابليون، وفيه تقدم المسلمون جنوبًا وازدادوا عددًا بالإمدادات وبما انضم إليهم من بدو الصحراء حتى فتحوا مدينة بلبيس، ثم واصلوا التقدم حتى فتحوا قرية أم دنين وكانت مرفأً هامًا على النيل شمالي حصن «بابليون» أقوى حصون مصر، وكان الروم قد أفاقوا من غفلتهم وحشدوا قواتهم واشتبكوا مع المسلمين عدة مرات وأوقفوا تقدم المسلمين عند مدينة «عين شمس»، فوضع عمرو بن العاص خطة حربية فذة لاستدراج الروم خارج الحصن حيث لم يكن للمسلمين خبرة حربية في اقتحام الحصون ومحاصرتها، وبالفعل نجحت الخطة وحقق المسلمون نصرًا كبيرًا في معركة عين شمس التي كانت بمثابة فتح الطريق للسيطرة على مصر، وقد تشتتت قوات الروم، وفر كثير منهم إلى ناحية الشمال، وقام المسلمون بمحاصرة حصن بابليون بروح إيمانية عالية، وبعد شهر من الحصار الشديد، بدأ اليأس يدب في نفوس الروم داخل الحصن، ودارت بينهم وبين المسلمين مفاوضات على التسليم، واعترضت الحامية العسكرية لجزيرة الروضة المجاورة للحصن وأصرت على القتال، وحاولت هذه الحامية مباغتة المسلمين ولكنها فشلت وقتل المسلمون معظمهم، وفي النهاية أذعن «المقوقس» زعيم الروم لدفع الجزية وكتب شروط الصلح، ثم غادر المقوقس الحصن إلى الإسكندرية، ومن هناك أرسل بشروط الصلح لهرقل الذي رفضها بشدة وأرسل يستدعي «المقوقس» و«قيروس» وعاقبهما بشدة ونفاهما من البلاد، وكان رفض هرقل شروط الصلح إيذانًا باستئناف القتال من جديد، واستمر هذا القتال في صورة مناوشات متقطعة، أنهكت قوة الروم خاصة في ظل عدم وصول أي إمدادات من هرقل، ثم ازدادت أوضاع الروم سوءًا بعد أن وصلت أخبار وفاة هرقل للجنود بمصر ففت ذلك في عضدهم، ثم قام الزبير بن العوام بمغامرة فدائية اقتحم بها سور الحصن بصورة جريئة لا يقدر عليها إلا صحابي مثل الزبير، فانهارت بعدها مقاومة الروم ووافقوا على الخروج من الحصن والجزيرة وتوجهوا إلى الإسكندرية.
    (3) الدور الثالث: فتح الإسكندرية: وكانت الإسكندرية هي العاصمة أيام الروم، وقد توجه إليها كل من انهزم من جيوش الروم، فلما انتهى المسلمون من فتح معظم أجزاء مصر، قرر عمرو بن العاص التوجه لفتح الإسكندرية، وفي الطريق فتح المسلمون عدة مدن حصينة، ثم وصل إلى الإسكندرية وضرب عليها حصارًا شديدًا، ثم ترك جزءًا من جيشه على حصار المدينة، وانتقل هو بالبقية لاستكمال فتح الصعيد ومصر الوسطى، ثم حدث تغيير في السلطة الحاكمة في القسطنطينية بعد موت هرقل، وازدادت الأوضاع سوءًا، وقررت الإمبراطورية التي تولت الوصاية على الإمبراطور هرقل الثاني وكان ما زال صبيًا، أن تعيد «قيروس» إلى مصر وطلبت منه أن يصالح العرب المسلمين نظير رحيل الحاميات الرومية من الإسكندرية، فعاد قيروس إلى الإسكندرية وأتم الصلح مع عمرو بن العاص، وفي يوم 16 شوال 20هـ ـ 17 سبتمبر 641م، رحلت الجنود الرومية من الإسكندرية وبذلك تم فتح بلاد مصر كلها وأصبحت من يومها ولاية إسلامية تابعة للخلافة الإسلامية.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:32 pm

    معركة نهاوند

    وهي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع ونبأ عجيب وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح

    قال ابن إسحق والواقدي كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى وعشرين وقال سيف كانت في سنة سبع عشرة وقيل في سنة تسع عشرة والله أعلم وإنما ساق أبو جعفر بن جرير قصتها في هذه السنة فتبعناه في ذلك

    وكان الذي هاج هذه الوقعة أن المسلمين لما افتتحوا الأهواز ومنعوا جيش العلاء من أيديهم واستولوا على دار الملك القديم من اصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثا وهي المدائن وأخذ تلك المدائن والأقاليم والكور والبلدان الكثيرة فحموا عند ذلك واستجاشهم يزدجر الذي تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى اصبهان مبعدا طريدا لكنه في أسرة من قومه وأهله وماله وكتب إلى ناحية نهاوند وما ولاها من الجبال والبلدان فتجمعوا وتراسلوا حتى كمل لهم من الجنود مالم يجتمع لهم قبل ذلك( مائة وخمسين ألفا) فبعث سعد إلى عمر يعلمه بذلك فتجمعوا قرب نهاوند فبعث عمر بكتاب جاء فيه.

    (بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن سلام عليك فاني احمد إليك الله الذي لا اله إلا هو وأما بعد فانه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة وقد جمعوا لكم بمدينة نهاوند فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم ولا تدخلهم غيضة فان رجلا من المسلمين أحب إلى من مائة ألف دينار والسلام عليك فسر في وجهك ذلك حتى تأتي ماه فاني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم واستنصروا وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله)

    وكتب عمر إلى نائب الكوفة عبد الله بن عبدا لله أن يعين جيشا ويبعثهم إلى نهاوند وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن فان قتل النعمان فحذيفة فان قتل فنعيم بن مقرن وولي السائب بن الأقرع قسم الغنائم فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان ابن مقرن ليوافوه بماه وسار مع حذيفة خلق كثير من أمراء العراق فكل جيش المسلمين في (ثلاثين ألفا) من المقاتلة وبعث النعمان بن مقرن الأمير بين يديه طليعة ثلاثة وهم طليحة وعمرو بن معدي كرب الزبيدي وعمرو بن أبي سلمة ويقال له عمرو بني ثبي أيضا ليكشفوا له خبر القوم وما هم عليه فسارت الطليعة يوما وليلة فرجع عمرو بن ثبي ثم رجع بعده عمرو بن معدي كرب وقال لم نر أحدا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق ونفذ طليحة ولم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوا من بضعة عشر فرسخا حتى انتهى إلى نهاوند ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحب ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك وأنه ليس بينه وبين نهاوند فلما تراءا الجمعان كبر النعمان وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات فزلزلت الأعاجم ورعبوا من ذلك رعبا شديدا ( واسمع إلى هذه التربية المحمدية والشجاعة الفائقة للصحابي الجليل المغيرة بن شعبه ) وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه فذهب إليه المغيرة بن شعبة فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم وأنهم كانوا أطول الناس جوعا واقلهم دار وقدرا وقال ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجا من جيفكم فان تذهبوا نخل عنكم وان تأبوا نزركم مصارعكم قال فتشهدت وحمد الله وقلت لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت حتى بعث الله رسوله فوعدنا النصر في الدنيا والخير في الآخرة وما زلنا نتعرف من ربنا النصر منذ بعث الله رسوله إلينا وقد جئناكم في بلادكم وإنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم اونقتل بأرضكم .

    وجاءت اللحظة الحاسمة وبدأت المعركة

    فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له احوي قريبا من الأرض فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات ويقدم إلى المسلمين انه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة ويكبر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة ثم رجع إلى موقفه وتعبت الفرس تعبئة عظيمة واصطفوا صفوفا هائلة في عدد وعدد لم ير مثله وقد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض والقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لايمكنهم الهرب ولا الفرار ولا التحيز ثم أن النعمان بن مقرن رضي الله عنه كبر الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضا ثم كبر الثالثة وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة ولا سمع المسامعون بوقعة مثلها قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دما بحيث أن الدواب كانت تطبع فيه حتى قيل أن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانة في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله وأخفى موته ودفع الراية إلى حذيفة بن اليمان فأقام حذيفة أخاه نعيما مكانه وأمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس فلما اظلم الليل انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون وكان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفا بالسلاسل وحفروا حولهم خندقا فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية نحو مائة ألف وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة ولم يفلت منهم إلا الشريد وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم

    *ثم جاء دور القائد البطل الذي لم يفل له سيف ولم يهزم له جند خالد بن الوليد وكتب بكتابين أحدهم للعامة والأخر لملوك فارس. واستشعر أخي الحبيب معنى العزة والفخر من بين تلك السطور التي وإن كتبت بحروف من ذهب لا توفى حقها فهي عزة الإسلام والمسلمين (فقال لرجل‏:‏ ما اسمك قال‏:‏ مُرّة قال‏:‏ خذ هذا الكتاب فأت به أهل فارس لعل اللهّ أن يُمِرَّ عليهم غيشهم وقال لآخر‏:‏ ما اسمك قال‏:‏ هرقيل قال‏:‏ خذ هذا الكتاب وقال‏:‏ اللهم أرهق نفوسهم وكان في أحد الكتابين

    الكتاب الأول: بسم اللّه الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس أما بعد فالحمد للّه الذي حلّ نظامكم ووهَن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرًا لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ‏"‏‏.‏

    وكان في الكتاب الآخر‏:‏ ‏"‏ بسم اللهّ الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فالحمد لله الذي فرق كلمتكم وفلّ حدّكم وكسر شوكتكم فاسلموا تسلموا وإلا فأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الخمر ‏"‏‏.‏

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:32 pm

    فتح طرابلس

    قال البلاذري في فتوح البلدان:

    فلما استخلف عثمان وولى معاوية َ الشامَ وجه معاوية ُ [الصحابيَ] سفيانَ بنَ مجيب الأزديَ إلى طرابلس وهي ثلاثة مدن مجتمعة، فبنى في مرجٍ على أميال منها حصنًا سمي حصنَ سفيان، وقطع المادة عن أهلها من البحر وغيره وحاصرهم؛ فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة وكتبوا إلى ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى ما قبله فوجه إليهم بمراكب كثيرة فركبوها ليلا وهربوا، فلما أصبح سفيان ـ وكان يبيت كل ليلة في حصنه ويحصن المسلمين فيه ثم يغدو على العدو ـ وجد الحصنَ الذي كانوا فيه خاليًا فدخله وكتب بالفتح إلى معاوية، فأسكنه معاوية ُ جماعة ً كبيرة من اليهود، وهو الذي فيه الميناء اليوم. ثم إن عبد الملك بناه بعد وحصّنه.

    قالوا: وكان معاوية يوجه في كل عام إلى طرابلس جماعة كثيفة من الجند يشحنها بهم ويوليها عاملا فإذا انغلق البحرُ قفل وبقي العامل في جمعية منهم يسيرة؛ فلم يزل الأمر فيها جاريًا على ذلك حتى ولي عبدُ الملك فقدم في أيامه بطريقٌ من بطارقة الروم ومعه بشر منهم كثير فسأل أن يُعطى الأمان على أن يقيم بها ويؤدي الخراج فأجيب إلى مسئلته، فلم يلبث إلا سنتين أو أكثر منهما بأشهر حتى تحيّن قفولَ الجند عن المدينة ثم أغلق بابها وقتل عاملها وأسر من معه من الجند وعدة ً من اليهود ولحق وأصحابُه بأرض الروم، فقدر المسلمون بعد ذلك عليه في البحر وهو متوجه إلى ساحل للمسلمين في مراكب كثيرة فقتلوه، ويقال: بل أسروه وبعثوا به إلى عبد الملك فقتله وصلبه. وسمعت من يذكر أن عبد الملك بعث إليه مَن حصره بطرابلس ثم أخذه سليمان وحمله إليه فقتله وصلبه وهرب من أصحابه جماعة فلحقوا ببلاد الروم ، وقال علي بن محمد المدائني قال عتاب بن ابراهيم: فتح طرابلسَ سفيانُ بنُ مجيب ثم نقض أهلـُها أيامَ عبدِ الملك ففتحها الوليدُ بن عبد الملك في زمانه.

    وحدثني أبو حفص الشامي عن سعيد عن الوضين قال: كان يزيدُ بن أبي سفيان [رضي الله عنه] وجّه معاوية َ إلى سواحل دمشق سوى طرابلس فكان يقيم على الحصن اليومين والأيام اليسيرة فربما قوتل قتالا غير شديد وربما رمى ففتحها، قال: وكان المسلمون كلما فتحوا مدينة ظاهرة أو عند ساحل رتبوا فيها قدر من يحتاج لها إليه من المسلمين فإن حدث في شيء منها حدث من قبل العدو وسربوا إليها الأمداد، فلما استخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى معاوية يأمره بتحصين السواحل وشحنتها وإقطاع من ينزله إياها القطائع ففعل.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:33 pm

    فتح خراسان


    بعد معركة نهاوند عام 21هـ الموافق 643م والتي كانت معركة حاسمة انتصر فيها المسلمون على الفرس انتصاراً مؤزراً، حيث أطلق المسلمون عليها "فتح الفتوح" قرر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدها وحسب رأي الأحنف بن قيس الانسياح في بلاد فارس، ودفع قوات المسلمين إلى انحاء تلك المملكة كلها، فعقد سبعة ألوية لسبعة من القادة عهد إليهم فتح أرض فارس كلها، وكان ممن سار إلى خراسان الأحنف بن قيس التميمي. البدء في الفتح: سار الأحنف بن قيس على رأس جيشه حتى دخل خراسان من طالطبسين" فافتتح "هواة" عنوة واستخلف عليها "صحار بن فلان العبدي" وسار نحو "مرو الشاهجان" عن طريق نهر "هوالا" فامتلكها واستخلف عليها "حارثة بن النعمان" ومنها سار نحو "مرو الروذ" مع وادي نهر "مورغاب" ليلاحق "يزدجرد" حيث فر إليها ووصلت الإمدادات من الكوفة إلى الأحنف بن قيس وسار المدد نحو "بلخ" حيث انتقل إلى بلاد ما وراء النهر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة في "بلخ" وقد نصرهم الله على عدوهم، واصبح الأحنف سيد خراسان. طبرستان: أما طبرستان فقد تم فتحها على يد "سويد بن مقرن المزني" إذ أن عمر بن لخطاب رضي الله عنه عندما جاءه البشير بفتح "الري" كتب إلى "نعيم بن مقرن" أن يقدم أخاه سويداً إلى "قومس". سار سويد إلى "قومس" ولم يصادف مقاومة من حماتها، ففتحها سلماً وعسكر بها .. ثم سار إلى "بسطام" إحدى مدنها فأقام بها، ومنها كاتب ملك جرجان يدعوه إلى الصلح أو يسير غليه بجنودهن فبادر الملك الفارسي بالصلح على أن يؤدي الجزاء ويكفيه حرب جرجان ولهم الذمة والمنعة والأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم. عودة يزدجرد: كان يزدجرد بعد هزيمة نهاوند قد استعان بملوك التتار في بلاد ما وراء النهر ، فأمدوه بجيش مجهز فسار بهم ورجع إلى "بلخ" واستعادها وفر المسلمون الذين فيها إلى "مرو الروذ" حيث يقيم الأحنف بن قيس ، وقد ظل التتار في مدينة "بلخ" بينما سار يزدجرد إلى "مرو الشاهجان" فحاصرها وبها "حارثة بن النعمان" عاملاً عليها من قبل الأحنف، فاستخرج يزدجرد منها كنوزه وانظلق نحو "بلخ" حيث ينتظره بها ملوك التتار. خراسان في عهد الخليفة عثمان بن عفان: توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه والمسلمون على حالتهم في خراسان إلا أن أهل خراسان لم يلبثوا أن نقضوا العهد بعد وفاته فاجتمع المسلمون في "مرو الروذ" وعليها عبد الرحمن بن سمرة، فكتب ابن سمرة إلى خليفة المسلمين عثمان بن عفان بخبره بنقض أهل خراسان العهد. فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى عامله عبد الله بن عامر أن يستعيد فتح خراسان وأمده بعبد الله بن بشر في أهل البصرة، فخرج ابن عامر في الجند وولج خراسان من جهة "يزد والطبين"، وكان على مقدمته الأحنف بن قيس. وكان عبد الله بن عامر قد استطاع أن يعيد فتح خراسان بسرعة إذ أرسل "الأحنف بن قيس" إلى "مرو الروذ" ففتحها بعد أن أجبر أهلها المتحصنين على الصلح، وأرسل الأحنف "الأقرع بن حابس" إلى "الجوزجان" ففتحها بعد قتال شديد استشهد فيه خلق كثير، وسار الأحنف إلى "بلخ" فصالح أهلها واستناب "أسيد بن المشمس" على قبض المال. واستعاد المسلمون مواقعهم في خراسان كلها، وأعادوا عمالهم على ما كانوا عليه. خراسان في خلافة معاوية بن أبي سفيان: استعمل معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان ومضى سعيد بجنده في طريق فارس، فلقيه بن مالك بن الريب، وكان فتح الطبين، وهما بابا خراسان في هذا الجيش على يد عبد الله بن بديل بن ورقاء. ولقد كانت خراسان في البداية تتبع الوالي في البصرة وهو يرسل إليها نائباً عنه، ثم أصبح والي خراسان يعين من قبل الخليفة وإن كان يتبع البصرة. وقد تعاقب الولاة على إمارة خراسان، وعندما حدثت الفتنة في الدولة الإسلامية إثر مقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه.. كانت خراسان تشايع علياً رضي الله عنه، فلما تم الأمر لمعاوية رضي الله عنه، اعتصم زياد بن أبيه في خراسان، ولكن معاوية استطاع كسبه، وجعله أميرا على البصرة فكان يرسل الولاة إلى خراسان من قبله، ثم وليها ابنه "عبيد الله"، وعندما تولى أمر الكوفة عبيد الله بن زياد صار أمر خراسان إلى أخيه عبد الرحمن بن زياد ثم إلى أخيه أسلم. في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك: حدث خلاف أثناء خلافة عبد الله بن الزبير حيث شايعت خراسان ابن الزبير ثم دانت للحجاج بن يوسف والي المشرق من قبل عبد الملك بن مروان فولى على خراسان المهلب بن أبي صفرة الذي كان والياً على البصرة من قبل مصعب بن الزبير.. وبقي المهلب بن أبي صفرة حتى توفي عام 83هـ فخلفه ابنه يزيد فبقي مدة ست سنوات ثم عزل برأي الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يخشى بأسه، وعندما عزل حبسه الحجاج ولكنه استطاع أن يفر من السجن ويأتي إلى الشام .. وتولى مكانه قتيبة بن مسلم الباهلي فقام بفتح بلاد ما وراء النهر .. وفيها "بيكند" و "الصغد" و "صخارستان" وبخارى وسمرقند والبلاد التي حولها، وخوارزم.. حال خراسان في ظل تعاقب الولاة والاختلاف فيما بينهم: عاد يزيد بن المهلب إلى ولاية خراسان بعد وفاة الوليد بن عبد الملك،وتولية أخيه سليمان وبقي فيها حتى جاء إلى الخلافة عمر بن عبد العزيز فعزله وسجنه في حلب. ثم ولي أمر خراسان عمر بن هبيرة الفزاري أيام خلافة يزيد بن عبد الملك ولكنه عزل في أيام هشام بن عبد الملك وسجن وتولى مكانه خالد بن عبد الله القسري فكان أمير العراقين فأرسل أخاه أسداً إلى خراسان فبقي هناك حتى عام 120هـ حيث توفي، وكان هشام قد عزل أخاه خالداً، وأقام مكانه يوسف بن عمر الثقفي فسجنه يوسف وعذبه ثم قتله، ثم عين نصر بن سيار. هذا الخلاف بين الولاة واستبدالهم بشكل مستمر جعل شيئاً من الفوضى أو عدم الاطمئنان بالنسبة إلى السكان وهذا ما جعل العصبية تنشأ وتظهر من جديد وبخاصة أنها قد وجدت في دمشق، مركز الخلافة، ومنها امتدت إلى الجهات كلها. خراسان في ظل الوالي نصر بن سيار وداعية بني العباس أبو مسلم الخراساني: نشأت العصبية وظهرت في ظل تعاقب الولاة وتغيرهم بشكل مستمر حيث كان أسد بن عبد الله القسري والي خراسان زعيم اليمانية ثم أصبح نصر بن سياد والياً وهو زعيم المضرية.. هذه العصبية أثارت عصبيات أخرى إذ أن الاعتماد على العرب وإهمال الموالي قد أثار النزعة الفارسية وقامت الدعوة إليها.. بينما كان الدين يجمع بينهما، وبذا تفرقت الأمة وتقطعت أوصالها.. واستفاد أبو مسلم الخراساني داعية بني العباس من هذه التفرقة القائمة في خراسان فضم إلى جموعه: 1- اليمانية المعارضة المضرية وزعيمها نصر بن سيار، وكانوا يطمعون أن تكون الولاية لهم لكثرتهم، وينقمون على المضرية. 2- الناقمين على الأمويين الذين يعتمدون على العرب ويهملون الموالي. 3- الجماعة التي ترى إهمال الدعوة الدينية وتوقف الفتح خطراً عظيماً على الدين. 4- أصحاب العصبية الفارسية الذين يتخذون رد الفعل ضد الأمويين ستاراً يخفون به حقائقهم. 5- الجماعة التي تؤيد آل البيت وترى فيهم قدوة وأحقية لتسلم الحكم. 6- هذا بالإضافة إلى الأطماع الشخصية والآراء الفردية وحب التغيير القائم في النفوس. ولقد أحس والي خراسان نصر بن سيار بهذه التفرقة وشعر بخطر العصبية، ولكن بعد أن فات الآوان فالنار قد اشتعلت ولا يمكن إخمادها بسهولة، وبخاصة أنه كان يتعصب للمضرية فكتب يستنجد ممن يمكن أن ينجده، ولكن يظهر أن البلاء قد عم. فقد كتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراقين يستمده .. فقال "يزيد" لا غلبة إلا بكثرة وليس عندي رجل. وكتب نصر إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عباس.. وأعاد نصر النصيحة تلو الأخرى ثم التفت إلى حاضرته مرو يريد جمع العرب وإنهاء أمر الخلاف بين اليمانية والمضرية. ولكن لم تجد هذه الصيحات في وقت تشتتت فيه الأفكار، وتفرقت الأهواء، واستحكمت العصبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "دعوها فإنها منتنة" واستطاع أبو مسلم الخراساني الانتصار على أعدائه الذين تفرقوا .. والتقى جيش العباسيين القادم من المشرق بقيادة عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بجيش الأمويين بقيادة مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الأموية على نهر الزاب أحد روافد دجلة، وكان الجيش الأموي مفرقاً مختلفاً لا يدافع عن فكرة ولا يعمل لدعوة .. بينما كان الجيش العباسي أفضل نسبياً يعمل لفكرة ويسير إلى هدف ويهدف إلى شيء يخطط له وهذا ما جعله يحرز النصر، ويحصل على الفوز، ويكتب لدولته القيام. زالت دولة بني أمية وقامت دولة بني العباس على أكتاف الفرس وفي عهدهم انتهى أحد الدعاة وهو أبو سلمة الخلال حفص بن سليمان ت: 132هـ وأعقبه أبو مسلم الخراساني عبد الرحمن بن مسلم ت: 137هـ مؤسس الدولة العباسية. ولكن العصبية والتنازع لم ينتهيان في خراسان فقد كان للرشيد أبناء عدة من زوجات مختلفات في العصبية وقد أوصى لبنائه من بعده الأمين فالمأمون فالمؤتمن ولم يكونوا من أم واحدة فتعصب العرب للأمين وانحاز الفرس للمأمون لأن أمه كانت من الفرس .. وكادت الفتنة تندلع إلا أنها انتهت بسير المؤتمن مع المأمون، وخمدت بمقتل الأمين.. خراسان في ظل الدولة الطاهرية: لم يمض وقت طويل على اندلاع العصبية التي دارت بين الأمين والمأمون إلا وقامت الدولة الطاهرية التي أسسها طاهر بن الحسين قائد المأمون وابتدأت العصبيات تظهر .. فقام الصفاريون في سجستان وامتد نفوذهم إلى خراسان ووصل حكم بني زياد في طبرستان إلى بعض أجزاءها أيضاً. خراسان في ظل الدولة الخوارازمية ودول أخرى بعدها: ثم قامت الدولة الخوارزمية وحكمت أجزاء واسعة من خراسان ونازعها الغوريون على الأجزاء الباقية، واستمرت هذه الدولة حتى اجتاح المغول المنطقة بقيادة جنكيز خان عام 618هـ فأصاب المنطقة ما أصابها من دمار وخراب. وبعد جنكيز خان تقاسم أبناؤه إمبراطوريته الواسعة فتأسست الدولة الإيلخانية في فارس وحكمت أكثر أجزاء خراسان، وقامت الدولة "الجغطائية" في بلاد ما وراء النهر وحكمت منطقة طخارستان التي حاضرتها مدينة "بلخ" بينما كانت هواة في حكم "الكرت" الذي مركزهم بلاد الأفغان. حال خراسان إلى وقتنا الحاضر: عادت مرة أخرى الجماعات تتقاتل في خراسان ومن كتب له النصر سيطر على أجزاء منها، فقد حكم "الأفشار" خراسان ثم تقاسموها مع الأفغان، ثم حكم "القاجار" الأجزاء الغربية منها وتقاسموها مع الأفغان، بينما استقلت طخارستان "بلخ". امتد حكم القاجار على الأجزاء التي تتبع إيران اليوم، بينما أخذ الأفغان المناطق التي تتبع أفغانستان الآن عدا "بلخ" التي كانت مستقلة بنفسها. أما الأقسام الأخرى فكانت تحت حكم "الأوزبك" الذين تجزأت دولتهم فكانت عدة خانات منها "خيوه" ومنها "مرو" ومنها ما وراء النهر "بخارى" و "خوقند" أما التركمان فكانت دولتهم بين بحيرة "خوارزم" وبحر الخزر. في هذا الوقت كان الروس يمدون نفوذهم على أواسط آسيا يسيطرون على تلك المناطق جزءً بعد جزء فغزوا الجزء الأوزبكي بين عامي 1290- 1305هـ إذ دخلوا "خيوه" 1290 و "مرو" 1303هـ وكذلك ضمت "طخارستان" إلى الأفغان. وبهذا أصبحت خراسان التي كانت ولاية واحدة تتبع اليوم دولاً ثلاثاً: 1- روسيا: وتسيطر على الجمهورية المعروفة اليوم باسم "تركمنستان". 2- أفغانستان: التي تتبعها منطقة "طخارستان" و "هراه". 3- إيران: التي تتبعها "نيسابور" و "طوس" و "طبرستان".

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:34 pm

    - فتح سجستان وكابل
    فتحت سجستان في أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا عهدهم. فلما توجَّه ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي(2)، فأتى حصن زالق فأغار على أهله في يوم مهرجان فأخذ دهقانه فافتدى نفسه بأن ركز عنزةً، ثم غمرها ذهباً وفضة، وصالح الدهقان على حقن دمه وصالحه على صلح أهل فارس، ثم أتى قرية يقال لها كَركويه(3) على خمسة أميال من زالق فصالحوه على غير قتال، ثم أتى زالق وأخذ الأدلاَّء منها إلى زَرَنج(4)، وسار حتى نزل الهندمند، وأتى زوشت وهي من زرنج على ثلثي ميل فخرج إليه أهلها فقاتلوه قتالاً شديداً، وأصيب رجال من المسلمين، ثم كرَّ المسلمون وهزموهم حتى اضطروهم إلى المدينة بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة(5)، ثم أتى الربيع ناشروذ(6) قرية فقاتل أهلها وظفر بهم، ثم مضى إلى شرواذ(7) قرية فغلب عليها، ثم حاصر مدينة زرنج بعد أن قاتل أهلها، فبعث إليه أبرْويز مرزبانها يستأمنه ليصالحه، فأمر بجسد من أجساد القتلى، فوضع له، فجلس عليه واتكأ على آخر، وأجلس أصحابه على أجساد القتلى مثله. وكان الربيع آدم أفوه طويلاً. [ص 102] فلما رآه المرزبان هاله فصالحه على ألف وَصِيف مع كل وَصِيف(Cool جام من ذهب، ودخل المسلمون المدينة، ثم أتى سناروذ(9) وهو وادٍ فعبره وأتى القريتين، وهناك مربط فرس رُسْتَم(10) فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم عاد إلى زرنج وأقام بها سنتين، ثم أتى ابن عامر واستخلف بها رجلاً من بني الحارث بن كعب فأخرجوه وأغلقوها. وكانت ولاية الربيع سنتين ونصفاً، وسبى في ولايته هذه 40.000 رأس، وكان كاتبه الحسن البصري(11)، ثم ولى ابن عامر عبد الرحمن بن سَمُرَة بن حبيب بن عبد شمس(12) سجستان، فأتى زرنج فحصر مرزبانها في قصره في [ص 103] يوم عيد لهم فصالحه على ألفي ألف درهم، وألفي وصيف. وغلب ابن سَمُرَة على ما بين زرنج وكَشّ(13) من ناحية الهند، وغلب من ناحية طريق الرُّخَّج(14) على ما بينه وبين بلاد الداور(15)، فلما انتهى إلى بلاد الداور حصرهم في جبل الزور(16)، ثم صالحهم، فكانت عدة من معه من المسلمين 8000 فأصاب كل رجل منهم 4000 ودخل على الزور وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فقطع يده وأخذ الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر، وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع. وفتح كابل وزابلستان. وأتى عبد الرحمن زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكريّ، وانصرف من سجستان، فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا.
    ------------------------
    (1) سجستان: معرب سيستان، وكانت قديماً تسمَّى: ساقستان، أي بلاد الساقة، وهي ولاية بالجنوب الغربي من أفغانستان يتبعها قسم داخل حدود بلاد العجم.
    (2) هو أخو المهاجر بن زياد وهو من قال عنه عمر بن الخطاب: "ما صَدَقني أحد منذ استخلفت كما صَدَقني الربيع بن زياد". للاستزادة راجع: أسد الغابة ج 2/ص 207، تاريخ الطبري ج 4/ص 183، الإصابة ج 1/ص 80، الكامل في التاريخ/ الفهارس، جمهرة أنساب العرب ص 391، تهذيب التهذيب ج 3/ص 244، حياة الصحابة ج 2/ص 168.
    (3) كركويه: مدينة من نواحي سجستان.
    (4) زرنج: مدينة هي قصبة سجستان.
    (5) ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 22.
    (6) ناشروذ: قرية بسجستان.
    (7) شرواذ: قرية بسجستان.
    (Cool الوَصِيف: الخادم، وجمعه وُصَفَاء.
    (9) سناروذ: اسم لنهر سجستان يأخذ من نهر هند مند فيجري على قدر فرسخ من سجستان فيتفرع منه أنهر يسقي الرساتيق وتجري فيه السفن أيام المد. ورد في المتن: "هو وادٍ" وهذا خطأ اقتضى تصويبه.
    (10) رُسْتَم: بضم الراء وفتح التاء، هو رُسْتَم بن الفرخزاد، ورُسْتَم لفظة فارسية، معناها: نَجَوْتُ، ويقال إن أمه تعذَّبت بولادته لِشِدَة تَعَسُّرها، وعندما وضعته صاحت: رُسْتَم أي نَجَوْتُ، فسمي بهذا الاسم. قتلت أَزْرميدُخت والده، ورُسْتَم من القواد المشهورين في فارس، هزمه سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية.
    (11) هو الحسن بن يَسَار البصري، أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، هو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النسَّاك، ولد بالمدينة سنة 21 هـ، شبَّ في كنف علي بن أبي طالب، استكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، سكن البصرة، وعظمت هيبته في القلوب، فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في اللَّه لومة لائم، قال فيه الغزالي: كان الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء، وأقربهم هدياً من الصحابة، كان غاية في الفصاحة، تتصبَّب الحكمة من فيه، له مع الحجاج بن يوسف مواقف، توفي في البصرة سنة 110 هـ. للاستزادة راجع: تهذيب التهذيب ج 2/ص 110، وفيات الأعيان ج 1/ص 115، ميزان الاعتدال ج 1/ص 254، حلية الأولياء ج 2/ص 131، ذيل المذيل ص 93، أمالي المرتضى ج 1/ص 106، الأزهرية ج 3/ص 725.
    (12) هو عبد الرحمن بن سَمُرَة بن حبيب بن عبد شمس القرشي، أبو سعيد، صحابي، من القادة الولاة، أسلم يوم الفتح، شهد غزوة مؤتة، سكن البصرة، افتتح سجستان، وغزا خراسان، ثم عاد إلى البصرة فتوفي فيها سنة 50 هـ، كان اسمه في الجاهلية: "عبد كلال"، سماه النبي صلى اللَّه عليه وسلم عبد الرحمن. للاستزادة راجع: تهذيب التهذيب ج 6/ص 190، تهذيب الكمال ج 2/ص 792، تقريب التهذيب ج 1/ص 483، خلاصة تهذيب الكمال ج 2/ص 136، الكاشف ج 2/ص 167، تاريخ البخاري الكبير ج 5/ص 242، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 96، الجمع بين رجال الصحيحين ص 282، دول الإسلام للذهبي ج 1/ص 26، نسب قريش ص 150، الجرح والتعديل ج 5/ص 241، الثقات ج 3/ص 249، أسد الغابة ج 3/ص 454، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 348، الإصابة ج 4/ص 310، الاستيعاب ج 2/ص 835، سير الأعلام ج 2/ص 571، أسماء الصحابة الرواة ترجمة ص 149.
    (13) الكَشّ: قرية على ثلاثة فراسخ من جرجان على الجبل.
    (14) الزُّخَّج: كورة من أعمال سجستان، ومدينة من نواحي كابل.
    (15) ورد في الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 3/ص 23: "الداون" ولعل ما ورد في متن هذا الكتاب خطأ على الأرجح، والصواب هو "الداون" وليس "الداور".
    (16) ورد في الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 3/ص 26: "الزوز" ولعل ما ورد في متن هذا الكتاب خطأ على الأرجح، والصواب هو "الزوز" وليس "الزور".

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:35 pm

    رواية فتح الأندلس
    في عام 86 هـ وفي زمن الوليد بن عبد الملك الأموي تولى موسى بن نصير المغرب ، فأخضع البربر ، ونشر الأمن في هذه الربوع ، واستطاع أن يفتح طنجة فترك بها حامية يقودها مولاه طارق بن زياد ، وعهد إليه بالعمل على نشر الإسلام في المنطقة ، وعسكر طارق بمن معه من المسلمين على سواحل بحر الزقاق ، وبدأت أنظارهم تتجه نحو أسبانيا .


    وعاد موسى إلى القيروان ، وعلم طارق أن ميناء سبتة على مقربة منه فبدأ يتحرك نحوه ، وكان حاكم سبتة يليان قد تحرر من سلطان الدولة البيزنطية ، وأصبح كالحاكم المستقل في سبتة وماحولها ، واحتك يليان بالمسلمين وأحس بقوتهم وضغطهم عليه ، فعمل على كسب ود طارق بن زياد ، وكان طارق يتطلع لفتح أسبانيا ، فراسل يليان ولاطفه وتهاديا حتى يستفيد منه .

    وأما الأندلس ( أسبانيا ) فقد حكمها القوط منذ عام 507 م ، غير أن أمرهم بدأ يضعف ، وقسمت أسبانيا إلى دوقيات ، يحكم كل منها دوق ، يرجـع في سلطنته إلى الملك في طليطلة ، وقسم المجتمع إلى طبقات : أعلاها طبقة الأشراف أصحاب الأموال والمناصب وحكام الولايات والمدن والإقطاعيون ، ثم طبقة رجال الدين الذين ملكوا الضياع وعاملوا عبيدهم بالعسف ، ثم طبقة المستخدمين وهم حاشية الملك وموظفو الدولة ، ثم الطبقة الوسـطى وهم الزراع والتجار والحرفيين وقد أثقلوا بالضرائب ، وأخيراً الطبقة الدنيا وهم الفلاحين والمحاربين والعاملين في المنازل ، وبلغ البؤس بأهل أسبانيا أن حل بهم الوباء في السنوات : 88 ، 89 ، 90 هـ حتى مات أكثر من نصـف سكانها .

    وفي عام 709 م تولى العرش وتيكا الذي يسميه العرب غيطشة ، ولكنه عزل في نهاية السنة نفسها ثم قتل ، واستلم الحكم بعده أخيلا ، وفي العام التالي710 م وصل ردريك - ويسميه العرب لذريق – إلى الحكم بعد عزل أخيلا ، وغرق لذريق في الشهوات حتى نفرت منه القلوب ، وانقسمت البلاد في عهده ، فظهـر حزب قوي بزعامة أخيلا الذي حاول استرداد عرشه وحزب آخر ناصر الملك .

    ولما كان يليان حليفاً لغيطشة فقد حـاول مد يد العون إلى حليفه ، ولكن أنصار لذريق ردوه عن الأندلس إلى العدوة الإفريقية ، فتحصن في سبتة ، وأخذ يرقب الأحداث .

    وتذكر الروايات أن يليان هو الذي دعا موسى لغزو الأندلس ، وذلك أن يليان كان قد أرسل ابنته إلى قصر لذريق لتتأدب ، وتنشأ فيه أسوة بغيرها من بنات القوط في ذلك الزمان ، وأن لذريق بصر بالفتاة وطمع فيها ونال منها ، فكتبت إلى أبيها بخبرها ، فدفعه ذلك إلى التفكير في الانتقام من لذريق ، فاتصل بطارق وزين له فتح الأندلس ، وجعل نفسه وأتباعه أدلاء للمسلمين بعد أن اطمـأن إليهم ، وزار يليان موسى بن نصـير في القيروان لإقناعـه بسهولة الفتح ، وطبيعي أن يشك موسى في صحة المعلومات فطلب من يليان أن يقوم بغارة سريعة ، ففعل وعاد محملاً بالغنائم .

    وليس هذا هو السبب الحقيقي للفتح ، ولكنه عجل به وساعد عليه ، وإلا فأعين طارق بن زياد على الأندلس منذ أن وصل طنجة ، ثم إن المسلمين فتحوا فرنسا وسويسرا وصقلية وجزر المتوسط كلها دون مساعدة يليان ، كما أن المسلمين منذ أيام عثمان بن عـفان رضي الله عنه يفكرون بفتح القسطنطينية من جهة أوروبا بعد فتح الأندلس ، وقال عثمان حينها : ( إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر ، وأنتم إذا فتحتـم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر آخر الزمان ) .

    وكتب موسى يستأذن الخليفة بدمشق ، فجاء رد الخليفة الوليد : ( أن خضها بالسرايا حتى تختبرها ، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال ) ، فكتب إليه موسى : ( إنه ليس ببحر وإنما هو خليج يكاد الناظر أن يرى ماخلفه ) ، فكتب إليه الخليفة : ( وإن كان ، فاختبره بالسرايا ) ، فأرسل موسى مولاه طريف ، وكان في مائة فارس وأربعين راجلاً ، في مهمة استطلاعية ، وجاز البحر في أربعة مراكب أعانهم بها يليان ، وذلك في شهر رمضان ، ونزل المسلمون في جزيرة صغيرة على مقربة من الموضع الذي قامت فيه بلدة حملت اسم طريف ، وخفّت قوة من أنصار يليان وأبناء غيطشة لعونهم وقامت بحراسة المعبر حتى تم نزولهم ، ومن ذلك الموضع قام طريف وأصحابه بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل غنموا فيها كثيراً ، وشجع هذا موسى على عبور الأندلس .

    واختار موسى للفتح طارق بن زياد ، وركب طارق السفن في سبعة آلاف من المسلمين ، جلّهم من البربر ، وبينما هو في عرض المضيق على رأس سفينته إذ أخذته سنة من النوم ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والأنصار ، قد تقلدوا السيوف ، وتنكبوا القسيّ ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا طارق تقدم لشأنك ) ، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه ، فيهب طارق مستبشراً .

    وألقت السفن مرساها قبالة الجزيرة الخضراء عند جبل سمي فيما بعد جبل طارق ، وكان لذريق مشغولاً بثورة أخيلا في الشمال ، ولما علم بنزول المسلمين في أرض أسبانيا جمع جيشاً جراراً بلغ سبعين ألفاً ، وفي رواية : مائة ألف .

    وجاءت امرأة عجوز من أهل الجزيرة الخضراء إلى طارق ، وقالت له : إنه كان لها زوج عالم بالحدثان [ أخبار الزمان ] ، فكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم هذا فيتغلب عليه ، ويصف من نعته أنه ضخم الهامة ، فأنت كذلك ، ومنها أن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت فيك فأنت هو ، فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت ، فاستبشر ومن معه .

    وسار طارق باتجاه قرطبة حتى وصل لوادي بكة حرّف فيما بعد إلى وادي لكة ، وهنا عرف طارق بأن لذريق وصل لقرطبة ، ثم تقدم واستعد للموقعة في سهل البرباط ، وأرسل طارق يطلب المدد من موسى بن نصير ، فعجل موسى بإرسال خمسة آلاف من خيرة الجنود يقودهم طريف ، وفيهم عدد عظيم من العرب ، فأدركوا طارقاً قبيل المعركة ، فأصبح عددهم اثني عشر ألفاً ، وقام طارق في أصحابه خطيباً فشجعهم على الجهاد ، واستعد لذريق للقاء ، وقد ولى ولدي غيطشة على ميمنته وميسرته .

    وقبيل الالتحام أجمع أولاد غيطشة على الغدر بلذريق ، وأرسلوا إلى طارق يعلمونه أن لذريق كان تابعاً وخادماً لأبيهم ، فغلبهم على سلطانه بعد مهلكه ، ويسألونه الأمان ، على أن يميلوا إليه عند اللقاء فيمن يتبعهم ، وأن يسلم إليهم إذا ظفر ضياع والدهم بالأندلس كلها ، فأجابهم طارق إلى ذلك وعاقدهم عليه ، وأرسل لذريق رجلاً من أصحابه ليعاين له جيش المسلمين ، فلما عاد قال له : خذ على نفسك ، فقد جاءك منهم من لا يريد إلا الموت ، أو إصابة ماتحت قدميك .

    وقدم طارق نفراً من السودان بين يدي جيشه ليتلقوا بما عرف عنهم من الصبر والثبات صدمة الجيش الأولى ، وبدأ القتال يوم الأحد الثامن والعشرين من رمضان سنة 92هـ ، فأظهر فرسان القوط مقدرة عظيمة أول المعركة ، وثبتوا لضغط المسلمين ، وأخذ يليان ورجاله يخذلون الناس عن لذريق ويصرفونهم عنه ، قائلين لهم : إن العرب جاؤوا للقضاء على لذريق فقط ، وإنهم إن خذلوا لذريق اليوم صفت لكم الأندلس بعد ذلك .

    وأثر هذا الكلام في جنود القوط فقد كان كثير منهم يكرهون لذريق ، فخرج فرسانه من المعركة وتركوه لمصيره ، فاضطرب نظام جيشه وفر الكثير منهم ، وخارت قوى لذريق ولم تغنه شجاعته شيئاً ، ويئس من النصر لما رأى جنده يفرون أو ينضمون للمسلمين . وهجم طارق على لذريق فضربه بسيفه فقتله ، وقيل : إنه جرحه ورمى بنفسه في وادي لكة فغرق ، وحمل النهر جثته إلى المحيط .

    وبعد مصرعه احتل المسلمون المعسكر وغنموه ، واتجه طارق لفتح المدن الرئيسية في الأندلس ففتح شذونة ومدوّرة وقرمونة وإشبيلية واستجة ، وكانت فيها قوة تجمعت من فلول عسكر لذريق فقاتلوا قتالاً شديداً حتى أظهر الله المسلمين عليهم ، ولم يلق المسلمون فيما بعد ذلك حرباً مثلها ، وأقاموا على الامتناع أولاً إلى أن ظفر طارق بأمير المدينة على النهر وحده ، فوثب عليه طارق في الماء فأخذه وجاء به إلى المعسكر ، ثم صالحه طارق وخلى سبيله ، واستمر طارق في زحفه ، وانتهى إلى عاصمة الأندلس طليطلة وتمكن من فتحها .

    وجاءته الرسائل من موسى تأمره بالتوقف ، وعبر موسى إلى الأندلس بناء على استغاثة وجهها إليه طارق ، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ، بجيش عدده ثمانية عشر ألفاً ، ففتح بعض المدن كشذونة وقرمونة وإشبيلية وماردة ، وهي مدن لم يفتحها طارق ، ثم التقى بطارق ووبخه على أنهم توغلوا أكثر مما ينبغي ، وأن خطوط مواصلاتهم في الأندلس الواسعة في خطر ، فقد بقيت مناطق واسعة في شرق الأندلس وغربها لم تفتح .

    وأخيراً لقد قررت معركة وادي لكة مصير الأندلس لمدة ثمانية قرون ، وظل الأثر العربي الإسلامي في أسبانيا ليوم الناس هذا .

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:35 pm

    معركة ذات الصواري

    [b]لما ولي معاوية بن أبي سفيان الشام ألح على عمر الفاروق في غزو البحر ، وكتب له معاوية : ( إن قرية من قرى حمص ليسمعُ بنباح كلابهم ، وصياح دجاجاتهم ) . فاحتار عمر وكتب إلى عمرو بن العاص واليه على مصر : ( صف لي البحر وراكبه ؛ فإن نفسي تنازعني عليه ) . فكتب عمرو : ( إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلقٌ صغير ، ليس إلا السماء والماء ، إن ركد خرق القلوب ، وإن تحرك أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين – بالنجاة – قلة ، والشك كثرة ، هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجا برق ) .
    قرأ عمر الكتاب ثم كتب إلى معاوية : ( والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً ، وبالله لمسلمٌ واحدُ أحب إلي مما حوت الروم ) .
    ولما ولي عثمان الخلافة كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر، وذلك بعد أن بدأ معاوية باستكمال الاستعدادت ، فوافق عثمان على طلبه ، وكتب إليه : ( لا تنتخب الناس ، ولا تقرع بينهم ، خيرهم ، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه ) .
    فبنى معاوية أسطولاً إسلامياً ، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي فاستطاع فتح قبرص .
    وولى عثمان عبد الله بن سعد بن أبي السرح ولاية مصر فبدأ بغزو جنوب ليبيا ، ثم غزا بلاد النوبة ، بالإضافة إلى أن معاوية سيطر على الشواطىء في بلاد الشام وآسيا الصغرى ، فلما رأى الروم خسائرهم المتوالية في البر جمع قسطنطين بن هرقل أسطولاً رومياً به ألف سفينة لضرب المسلمين ، فأرسل معاوية - بعد إذن عثمان - مراكب الشام بقيادة بُسر بن أرطاة ، واجتمع مع بن أبي سرح في مراكب مصر ، ومجموعها مائتا سفينة فقط ، وكانت المعركة التي يترجح أنها وقعت على شواطىء الاسكندرية ، سنة 32 للهجرة .

    والتقى الجيشان في عرض البحر ، وطلب المسلمون من الروم : إن أحببتم ننزل إلى الساحل فنقتتل ، حتى يكتب لأحدنا النصر ، وإن شئتم فالبحر ، فأبى الروم إلا الماء ، وبات الفريقان تلك الليلة في عرض البحر ، وقام المسلمون الليل يصلون ويدعون ويذكرون ، وبات الروم يضربون النواقيس .
    ولما صلى المسلمون الفجر أمر عبد الله جنده أن يقتربوا من سفن أعدائهم فاقتربوا حتى لامسوها ، ونزل الفدائيون إلى الماء وربطوا السفن العربية بسفن الروم بحبال متينة ، وبدأ الروم القتال ، وصار قاسياً ، وسالت الدماء حتى احمرت صفحة المياه ، وترامت الجثث في الماء ، وضربت الأمواج السفن حتى ألجأتها إلى الساحل ، وقتل من المسلمين الكثير ، وقتل من الروم ما لا يحصى ، وصمد المسلمون ، فكتب الله لهم النصر بما صبروا ، واندحر الروم ، وكاد قسطنطين أن يقع أسيراً في أيدي المسلمين ، لكنه فر مدبراً والجراحات في جسمه حتى وصل جزيرة صقلية ، فسأله أهلها عن أمره ، فأخبرهم فقتلوه حنقاً عليه.
    والصواري جمع صار ، وهي الخشبة المعترضة وسط السفينة ، وسميت المعركة كذلك لكثرة صواري المراكب واجتماعتها ، أو لكثرة ساريات السفن التي التحمت في القتال في ذلك اليوم (1200 سفينة عربية ورومية ) .
    [/b]

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:36 pm

    فتح السند
    عزم الحجاج على فتح إقليم السند، بعد أن استقرت أحوال الدولة الأموية، فأسند هذه المهمة إلى محمد بن القاسم وكان دون العشرين من عمره، وجهَّزه بما يكفل له النجاح من عدة وعتاد، وأمدَّه بستة آلاف جندي من أهل الشام، بالإضافة إلى ما كان معه من الجنود، فأصبح تحت قيادته نحو عشرين ألفًا فى تقدير بعض المؤرخين
    اتخذ محمد بن القاسم من مقاطعة مهران فى جنوبي فارس قاعدة للفتح ونقطة انطلاق، فقسَّم جيشه نصفين، أحدهما برِّي والآخر بحري، ثم تحرك قاصدًا مدينة الديبُل -وهى تقع قريبًا من كراتشى الحالية فى باكستان- وفتح فى طريقه إليها فنزبول، وأرمائيل، ثم وافته السفن التي كانت تحمل الرجال والعتاد، فحاصر الديبل واستولى عليها بعد قتال دام ثلاثة أيام، وترك فيها حامية من أربعة آلاف رجل، وبنى لهم مسجدًا
    وكان لفتح المسلمين مدينة الديبل أثر كبير فى أهل السند، فسارعوا يطلبون الصلح فصالحهم محمد بن القاسم ورفق بهم، ثم سار إلى البيرون -حيدر آباد السند حاليا- فتلقاه أهلها وصالحوه كذلك، وكان لا يمر بمدينة إلا فتحها صلحًا أو عَنوة، وتوَّج ذلك كله بالانتصار على داهر ملك السند، ومضى يستكمل فتحه، فاستولى على حصن راوَدْ، ثم برهماناباذ، والرور وبهرور، ثم اجتاز نهر بياس وعبر إلى إقليم الملتان، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب
    وبينما يواصل محمد بن القاسم فتوحاته؛ إذ جاءته الأخبار بوفاة الحجاج سنده وعونه فى الفتح، فاغتم لذلك غما شديدًا؛ لكنه واصل فتوحاته حتى أتم فتح بلاد السند، وجاءته قبائل الميد والجات والزط تقرع الأجراس فرحة هاتفة، مرحبة به، لأنهم عدُّوه محررهم من ظلم الهندوس واستعبادهم
    وفى هذه الأثناء مات الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ، وتولَّى أخوه سليمان بن عبد الملك منصب الخلافة، فعيَّن على العراق صالح بن عبد الرحمن، وكان واحدًا من ألد خصوم الحجاج، فقرر الانتقام منه على الرغم من وفاته سنة 95هـ، فى شخص ابن عمه محمد بن القاسم، فعزله عن قيادة الجيش، ولم يكتفِ

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:37 pm

    رواية فتح القسطنطينية
    أولاً: الإعداد للفتح:

    لقد اعتنى السلطان محمد الفاتح بإقامة قلعة (روملي حصار) في الجانب الأوروبي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي، وقد حاول الإمبراطور البيزنطي ثني السلطان الفاتح عن بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهد به إلا أن الفاتح أصر على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع ، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة ، وصل ارتفاعها إلى 82 متراً، وأصبحت القلعتان متقابلتين ولا يفصل بينهما سوى 660م تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربيه وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة (طرابزون ) وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة.

    أ- اهتمام السلطان بجمع الأسلحة اللازمة:

    اعتنى السلطان عناية خاصة بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية، ومن أهمها المدافع التي أخذت اهتماماً خاصاً منه حيث أحضر مهندساً مجرياً يدعى (أوربان) كان بارعاً في صناعة المدافع فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية، وقد تمكن هذا المهندس من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور، والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه، وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها.

    ب- الاهتمام بالأسطول:

    ويضاف إلى هذا الاستعداد ما بذله الفاتح من عناية خاصة بالأسطول العثماني حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية، تلك المدينة البحرية التي لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة ،وقد ذكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة.

    ج- عقد معاهدات:

    كما عمل الفاتح قبل هجومه على القسطنطينية على عقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة (غلطة) المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق (القرن الذهبي) ، كما عقد معاهدات مع (المجد) و (البندقية) وهما من الأمارات الأوروبية المجاورة ، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية ، حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن القسطنطينية مشاركة لبني عقيدتهم من النصارى متناسين عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين.
    في هذه الأثناء التي كان السلطان يعد العدة فيها للفتح استمات الإمبراطور البيزنطي في محاولاته لثنيه عن هدفه ، بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه ، بمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره ولكن السلطان كان عازماً على تنفيذ مخططه ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه ، ولما رأى الإمبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه عمد إلى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوربية وعلى رأسها البابا زعيم المذهب الكاثوليكي ، في الوقت الذي كانت فيه كنائس الدولة البيزنطية وعلى رأسها القسطنطينية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية وكان بينهما عداء شديد ، وقد اضطر الإمبراطور لمجاملة البابا بأن يتقرب إليه ويظهر له استعداده للعمل على توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لتصبح خاضعة له ، في الوقت الذي لم يكن الأرثوذكس يرغبون في ذلك ، وقد قام البابا بناءً على ذلك بإرسال مندوب منه إلى القسطنطينية ، خطب في كنيسة آيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين ، مما أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة ، وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذا العمل الإمبراطوري الكاثوليكي المشترك ، حتى قال بعض زعماء الأرثوذكس : ( إنني أفضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترك على أن أشاهد القبعة اللاتينية).

    ثانياً: الهجوم:

    كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية في ثلاث جبهات، مضيق البسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محمياً بسلسلة ضخمة جداً تتحكم في دخول السفن إليه، وبالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي، يتخللها نهر ليكوس، وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدماً ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدماً وعليه أبراج يصل ارتفاعها إلى 60 قدماً، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمس وعشرين قدماًوعليه أبراج موزعة مليئة بالجند، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصيناً، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة إلى التحصينات الطبيعية، وبالتالي فإنه يصعب اختراقها، ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة.

    كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها ، كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية وأسوارها ، وقد عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية ، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية ، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ الموافق 6 أبريل 1453م ، فجمع الجند وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي ، فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة ، وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء ، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك ، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره ، وما في فتحها من عز الإسلام والمسلمين ، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء.

    وكان العلماء مبثوثين في صفوف الجيش مقاتلين ومجاهدين مما أثر في رفع معنوياتهم حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر ليؤدي ما عليه من واجب.

    وفي اليوم التالي قام السلطان بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة، مشكلاً ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات، كما أقام الفاتح جيوشاً احتياطية خلف الجيوش الرئيسية، وعمل على نصب المدافع أمام الأسوار، ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق الذي أقيم أمام باب طب قابي، كما وضع فرقاً للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، وفي نفس الوقت انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة، إلا أنها لم تستطع الوصول إلى القرن الذهبي بسبب وجود السلسلة الضخمة التي منعت أي سفينة من دخوله بل وتدمر كل سفينة تحاول الدنو والاقتراب، واستطاع الأسطول العثماني أن يستولي على جزر الأمراء في بحر مرمرة.

    وحاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار، وأحكموا التحصينات، وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة، ولم يخلُ الأمر من وقوع قتال بين العثمانيين المهاجمين والبيزنطيين المدافعيين منذ الأيام الأولى للحصار، وفتحت أبواب الشهادة وفاز عدد كبير من العثمانيين بها خصوصاً من الأفراد الموكلين بالاقتراب من الأبواب.

    وكانت المدفعية العثمانية تطلق مدافعها من مواقع مختلفة نحو المدينة، وكان لقذائفها ولصوتها الرهيب دور كبير في إيقاع الرعب في قلوب البيزنطيين، وقد تمكنت من تحطيم بعض الأسوار حول المدينة، ولكن المدافعين كانوا سرعان ما يعيدون بناء الأسوار وترميمها.

    ولم تنقطع المساعدات المسيحية من أووربا، ووصلت إمدادات من (جنوة ) مكونة من خمس سفن وكان يقودها القائد الجنوي ( جستنيان) يرافقه سبعمائة مقاتل متطوع من دول أوربية متعددة، واستطاعت سفنهم أن تصل إلى العاصمة البيزنطية العتيقة بعد مواجهة بحرية مع السفن العثمانية المحاصرة للمدينة، وكان لوصول هذه القوات أثر كبير في رفع معنويات البيزنطيين، وعين قائدها ( جستنيان ) قائداً عاماً للقوات المدافعة عن المدينة.

    وقد حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلسلة الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الإسلامية إليه ، وأطلقوا سهامهم على السفن الأوروبية والبيزنطية ولكنهم فشلوا في تحقيق مرادهم في البداية وارتفعت الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة.

    ولم يكل القس ورجال الدين النصارى، فكانوا يطوفون بشوارع المدينة، وأماكن التحصين ويحرضون المسيحيين على الثبات والصبر، ويشجعون الناس على الذهاب إلى الكنائس ودعاء المسيح والسيدة والعذراء أن يخلصوا المدينة، وأخذ الإمبراطور قسطنطين يتردد بنفسه على كنيسة أيا صوفيا لهذا الهدف.

    ثالثاً: مفاوضات بين محمد الفاتح وقسطنطين:

    استبسل العثمانيون المهاجمون على المدينة وعلى رأسهم محمد الفاتح، وصمد البيزنطيون بقيادة قسطنطين صموداً بطولياً في الدفاع، وحاول الإمبراطور البيزنطي أن يخلص مدينته وشعبه بكل ما يستطيع من حيلة، فقدم عروضاً مختلفة للسلطان ليغريه بالانسحاب مقابل الأموال أو الطاعة، أو غير ذلك من العروض التي قدمها.

    ولكن الفاتح رحمه الله يرد بالمقابل طالباً تسليم المدنية تسليماً، وأنه في هذه الحالة لن يتعرض أحد من أهلها ولا كنائسها للأذى، وكان مضمون الرسالة: ( فليسلم لي إمبراطوركم مدينة القسطنطينية وأقسم بأن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه وماله وعرضه، ومن شاء بقي في المدينة وعاش فيها في أمن وسلام، ومن شاء رحل عنها حيث أراد في أمن وسلام أيضاً).

    كان الحصار لا يزال ناقصاً ببقاء مضيق القرن الذهبي في أيدي البحرية البيزنطية، ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمراً دون هوادة حيث أظهر جنود الانكشارية شجاعة فائقة، وبسالة نادرة، فكانوا يقدمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي، وفي يوم 18 أبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند (وادي ليكوس) في الجزء الغربي من الأسوار، فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة، كما حالوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي ألقوها عليها، ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة (جستنيان) استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار، واشتد القتال بين الطرفين، وكانت الثغرة ضيقة وكثرت السهام والنبال والمقذوفات على الجنود المسلمين ، ومع ضيق المكان وشدة مقاومة الأعداء وحلول الظلام أصدر الفاتح أوامره للمهاجمين بالانسحاب بعد أن أثاروا الرعب في قلوب أعدائهم متحينين فرصة أخرى للهجوم.

    وفي اليوم نفسه حاولت بعض السفن العثمانية اقتحام القرن الذهبي بتحطيم السلسلة الحاجزة عنه، ولكن السفن البيزنطية والأوروبية المشتركة، إضافة إلى الفرق الدفاعية المتمركزة خلف السلسلة الضخمة من المدافعين عن مدخل الخليج، استطاعوا جميعاً من صد السفن الإسلامية وتدمير بعضها، فاضطرت بقية السفن إلى العودة بعد أن فشلت في تحقيق مهمتها.

    رابعاً: عزل قائد الأسطول العثماني وشجاعة محمد الفاتح:

    بعد هذه المعركة بيومين وقعت معركة أخرى بين البحرية العثمانية وبعض السفن الأوروبية التي حاولت الوصول إلى الخليج، حيث بذلت السفن الإسلامية جهوداً كبيرة لمنعها، أشرف الفاتح بنفسه على المعركة من على الساحل وكان قد أرسل إلى قائد الأسطول وقال له: (إما أن تستولي على هذه السفن وإما أن تغرقها، إذا لم توفق في ذلك فلا ترجع إلينا حياً) لكن السفن الأوروبية نجحت في الوصول إلى هدفها ولم تتمكن السفن العثمانية من منعها، رغم الجهود العظيمة المبذولة لذلك، وبالتالي غضب السلطان محمد الفاتح غضباً شديداً فعزل قائد الأسطول بعد ما رجع إلى مقر قيادته واستدعاه وعنف محمد الفاتح قائد الأسطول ( بالطه أوغلي ) وعنفه واتهمه بالجبن، وتأثر( بالطة أو غلي ) لهذا قال: (إني استقبل الموت بجنان ثابت، ولكن يؤلمني أن أموت وأنا متهم بمثل هذه التهمة. لقد قاتلت أنا ورجالي بكل ما كان في وسعنا من حيلة وقوة، ورفع طرف عمامته عن عينه المصابة). أدرك محمد الفاتح عند ذلك أن الرجل قد أعذر، فتركه ينصرف واكتفى بعزله من منصبه، وجعل مكانه حمزة باشا.

    خامساً: عبقرية حربية فذة:

    لاحت للسلطان فكرة بارعة وهي نقل السفن من مرساها في (بشكطاش) إلى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطرق البري الواقع بين الميناءين مبتعداً عن ( حي غلطة ) خوفاً على سفنه من الجنوبيين ، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال ، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهاداً وتلالاً غير ممهدة.

    جمع محمد الفاتح أركان حربه وعرض عليهم فكرته، وحدد لهم مكان معركته القادمة، فتلقى منهم كل تشجيع، وأعربوا عن إعجابهم بها.

    بدأ تنفيذ الخطة، وأمر السلطان محمد الثاني فمهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتى بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها، وكان أصعب جزء من المشروع هو نقل السفن على انحدار التلال المرتفعة ، إلا أنه بصفة عامة كانت السفن العثمانية صغيرة الحجم خفيفة الوزن.

    وجرت السفن من البسفور إلى البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال ، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي ، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو ، بطريقة لم يسبق إليها السلطان الفاتح قبل ذلك ، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته.

    وقد تم كل ذلك في ليلة واحدة ، واستيقظ أهل المدينة البائسة صباح يوم 22 أبريل على تكبيرات العثمانيين المدوية ، وهتافاتهم المتصاعدة ، وأناشيدهم الإيمانية العالية ، في القرن الذهبي ، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي ، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين ، ولقد عبر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال : (ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق ، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج ، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الإسكندر الأكبر).ظهر اليأس في أهل القسطنطينية وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفن تمخر اليابسة.

    وكان لوجود السفن الإسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ أنها كانت أضعف الأسوار، ولكنها في السابق تحميها المياه، مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى.

    وقد حاول الإمبراطور البيزنطي تنظيم أكثر من عملية لتدمير الأسطول العثماني في القرن الذهبي إلا أن محاولته المستميتة كان العثمانيون لها بالمرصاد حيث أفشلوا كل الخطط والمحاولات.

    واستمر العثمانيون في دك نقاط دفاع المدينة وأسوارها بالمدافع ، وحاولوا تسلق أسوارها ، وفي الوقت نفسه انشغل المدافعون عن المدينة في بناء وترميم ما يتهدم من أسوار مدينتهم ورد ا لمحاولات المكثفة لتسلق الأسوار مع استمرار الحصار عليهم مما زاد في مشقتهم وتبعهم وإرهاقهم وشغل ليلهم مع نهارهم وأصابهم اليأس.

    كما وضع العثمانيون مدافع خاصة على الهضاب المجاورة للبسفور والقرن الذهبي، مهمتها تدمير السفن البيزنطية والمتعاونة معها في القرن الذهبي والبسفور والمياه المجاورة مما عرقل حركة سفن الأعداء وأصابها بالشلل تماماً.

    سادساً: الحرب النفسية العثمانية:

    وشرع السلطان محمد الفاتح في نصب المدافع القوية على الهضاب الواقعة خلف (غلطة)، وبدأت هذه المدافع في دفع قذائفها الكثيفة نحو الميناء وأصابت إحدى القذائف سفينة تجارية فأغرقتها في الحال ، فخافت السفن الأخرى واضطرت للفرار ، واتخذت من أسوار (غلطة) ملجأ لها ، وظل الهجوم العثماني البري في موجات خاطفة وسريعة هجمة تلوى الأخرى، وكان السلطان محمد الفاتح يوالي الهجمات وإطلاق القذائف في البر والبحر دون انقطاع ليلاً ونهاراً من أجل إنهاك قوى المحاصرين ، وعدم تمكينهم من أن ينالوا أي قسط من راحة وهدوء بال ، وهكذا أصبحت عزائمهم ضعيفة ونفوسهم مرهقة كليلة ، وأعصابهم متوترة مجهدة تثور لأي سبب.

    واضطر الإمبراطور ( قسطنطين )إلى عقد مؤتمر ثاني، اقترح فيه أحد القادة مباغتة العثمانيين بهجوم شديد عنيف لفتح ثغرة توصلهم بالعالم الخارجي وبينما هو في مجلسهم يتدارسون هذا الاقتراح، قطع عليهم أحد الجنود اجتماعهم وأعلمهم بأن العثمانيين شنوا هجوماً شديداً مكثفاً على وادي( ليكونس )، فترك قسطنطين الاجتماع ووثب على فرسه، واستدعى الجند الاحتياطي ودفع بهم إلى مكان القتال ، واستمر القتال إلى آخر الليل حتى انسحب العثمانيون.

    لجأ العثمانيون إلى طريقة عجيبة في محاولة دخول المدينة حيث عملوا على حفر أنفاق تحت الأرض من مناطق مختلفة إلى داخل المدينة وسمع سكانها ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريج، فأسرع الإمبراطور بنفسه ومعه قواده ومستشاروه إلى ناحية الصوت وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض، للوصول إلى داخل المدينة، فقرر المدافعون الإعداد لمواجهتها بحفر أنفاق مماثلة مقابل أنفاق المهاجمين دون أن يعلموا، حتى إذا وصل العثمانيون إلى الأنفاق التي أعدت لهم ظنوا أنهم وصلوا إلى سراديب خاصة وسرية تؤدي إلى داخل المدينة ففرحوا بهذا، ولكن الفرحة لم تطل إذا فاجأهم الروم، فصبوا عليهم ألسنة النيران والنفط المحترق والمواد الملتهبة، فاختنق كثير منهم واحترق قسم آخر وعاد الناجون منهم أدراجهم من حيت أتوا.

    لكن هذا الفشل لم يفت في عضد العثمانيين، فعاودوا حفر أنفاق أخرى، وفي مواضع مختلفة، من المنطقة الممتدة بين (أكرى فبو) وشاطئ القرن الذهبي وكانت مكاناً ملائماً للقيام بمثل هذا العمل، وظلوا على ذلك حتى أواخر أيام الحصار، وقد أصاب أهل القسطنطينية من جراء ذلك خوف عظيم وفزع لا يوصف حتى صاروا يتوهمون أن أصوات أقدامهم وهو يمشون إن هي أصوات خفية لحفر يقوم به العثمانيون ويملئون المدينة ، فكانوا يتلفتون يمنة ويسرة ، ويشيرون هنا وهناك في فزع ويقولون : (هذا تركي ، … هذا تركي) ويجرون هرباً من أشباح يحسبونها أنها تطاردهم.

    سابعاً: مفاجأة عسكرية عثمانية:

    لجأ العثمانيون إلى أسلوب جديد في محاولة الاقتحام وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة شامخة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران، وأعدت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كل من يطل برأسه من فوق الأسوار، وقد وقع الرعب في قلوب المدافعين عن المدينة حينما زحف العثمانيون بهذه القلعة واقتربوا بها من الأسوار عن باب( رومانوس)، فاتجه الإمبراطور بنفسه ومعه قواده ليتابع صد تلك القلعة ودفعها عن الأسوار، وقد تمكن العثمانيون من لصقها بالأسوار ودار بين من فيها وبين النصارى عند الأسوار قتل شديد، واستطاع بعض المسلمين ممن في القلعة تسلق الأسوار ونجحوا في ذلك، وقد ظن قسطنطين أن الهزيمة حلت به، إلا أن المدافعين كثفوا من قذف القلعة بالنيران حتى أثرت فيها وتمكنت منها النيران فاحترقت، ووقعت على الأبراج البيزنطية المجاورة لها فقتلت من فيها من المدافعين، وامتلأ الخندق المجاور لها بالحجارة والتراب.

    ثامناً: المفاوضات الأخيرة بين محمد الفاتح وقسطنطين:

    أيقن محمد الفاتح أن المدينة على وشك السقوط، ومع ذلك حاول أن يكون دخولها بسلام، فكتب إلى الإمبراطور رسالة دعاه فيه إلى تسليم المدينة دون إراقة دماء ، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاؤون بأمان ، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى ويكونوا بالخيار في البقاء في المدينة أو الرحيل عنها ، ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر ، فمال بعضهم إلى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت ، فمال الإمبراطور إلى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة ، فرد الإمبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها : (إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه أو يدفن تحت أسوارها) ، فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال : (حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر).

    وعمد السلطان بعد اليأس من تسليم المدينة صلحاً إلى تكثيف الهجوم وخصوصاً القصف المدفعي على المدينة، حتى أن المدافع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام، وقتل المشتغلين له وعلى رأسهم المهندس المجري( أوربان )الذي تولى الإشراف على تصميم المدفع، ومع ذلك فقد وجه السلطان بإجراء عمليات التبريد للمدافع بزيت الزيتون، وقد نجح الفنيون في ذلك، وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة بالإضافة إلى ضربها للأسوار والقلاع.

    تاسعاً: محمد الفاتح يوجه تعليماته ويتابع جنوده بنفسه:

    في يوم الأحد 18 جمادى الأول 27 من مايو وجه السلطان محمد الفاتح الجنود إلى الخشوع وتطهير النفوس والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة وعموم الطاعات والتذلل والدعاء بين يديه ، لعل الله أن ييسر لهم الفتح ، وانتشر هذا الأمر بين عامة المسلمين ، كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة ومعرفة آخر أحوالها ، وما وصلت إليه وأوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة ، وحدد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف العثماني ، تفقد فيها أحوالهم وحثهم على الجد والتضحية في قتال الأعداء.

    وفي مساء اليوم نفسه أوقد العثمانيون ناراً كثيفة حول معسكرهم وتعالت صيحاتهم وأصواتهم وبالتهليل والتكبير، حتى خيل للروم أن النار قد اندلعت في معسكر العثمانية، فإذا بهم يكتشفون أن العثمانيين يحتفلون بالنصر مقدماً، مما أوقع الرعب في قلوب الروم، وفي اليوم التالي 28 مايو كانت الاستعدادات العثمانية على أشدها والمدافع ترمي البيزنط بنيرانها ، والسلطان يدور بنفسه على المواقع العسكرية المختلفة متفقداً موجهاً ومذكراً بالإخلاص والدعاء والتضحية والجهاد.

    وبعد أن عاد الفاتح إلى خيمته ودعا إليه كبار رجال جيشه أصدر إليهم التعليمات الأخيرة، ثم ألقى عليهم الخطبة التالية: "إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث من أحاديث رسول الله ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التمجيد والتقدير فأبلغوا أبناءنا العساكر فرداً فرداً، أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدراً وشرفاً، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم، وليتجنبوا الكنائس والمعابد ولا يمسوها بأذى ويدعوا القسس والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون.

    وتوجه قسطنطين نحو صورة (يزعمون أنها صورة المسيح) معلقة في أحد الغرف فركع تحتها وهمهم بعض الدعوات ثم نهض ولبس المغفر على رأسه وخرج من القصر نحو منتصف الليل مع زميله ورفيقه وأمينه المؤرخ( فرانتزتس) ثم قاما برحلة تفقدية لقوات النصارى المدافعة ولا حظوا حركة الجيش العثماني النشطة المتوثبة للهجوم البري والبحري.

    عاشراً: فتح من الله ونصر قريب:

    عند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار ، وخاف البيزنطيون خوفا عظيما ، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى ، وكان الهجوم النهائي متزامنا بريا وبحرياً في وقت واحد حسب خطة دقيقة أعدت بإحكام ، وكان المجاهدون يرغبون في الشهادة ، ولذلك تقدموا بكل شجاعة وتضحية وإقدام نحو الأعداء ونال الكثير من المجاهدين الشهادة ، وكان الهجوم موزعا على كثير من المناطق ، ولكنه مركز بالدرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس ، بقيادة السلطان محمد الفاتح نفسه ، وكانت الكتائب الأولى من العثمانيين تمطر الأسوار والنصارى بوابل من القذائف والسهام محاولين شل حركة المدافعين ، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة .

    وبعد أن انهكت الفرقة الأولى الهجومية كان السلطان قد أعد فرقة أخرى فسحب الأولى ووجه الفرقة الثانية ، وكان المدافعون قد أصابهم الإعياء ، وتمكنت الفرقة الجديدة ، من الوصول إلى الأسوار وأقاموا عليها مئات السلالم في محاولة جادة للاقتحام ، ولكن النصارى استطاعوا قلب السلالم واستمرت تلك المحاولات المستميتة من المهاجمين ، والبيزنطيون يبذلون قصارى جهودهم للتصدي لمحاولات التسلق ، وبعد ساعتين من تلك المحاولات أصدر الفاتح أوامره للجنود لأخذ قسط من الراحة ، بعد أن أرهقوا المدافعين في تلك المنطقة ، وفي الوقت نفسه أصدر أمرا إلى قسم ثالث من المهاجمين بالهجوم على الأسوار من نفس المنطقة ، وفوجئ المدافعون بتلك الموجة الجديدة بعد أن ظنوا أن الأمر قد هدأ وكانوا قد أرهقوا ، في الوقت الذي كان المهاجمون دماء جديدة معدة ومستريحة وفي رغبة شديدة لأخذ نصيبهم من القتال .

    كما كان القتال يجري على قدم وساق في المنطقة البحرية مما شتت قوات المدافعين وأشغلهم في أكثر من جبهة في وقت واحد ، ومع بزوغ نور الصباح أصبح المهاجمون يستطيعون أن يحددوا مواقع العدو بدقة أكثر ، وشرعوا في مضاعفة جهودهم في الهجوم ، وكان المسلمون في حماسة شديدة وحريصين على إنجاح الهجوم ، ومع ذلك أصدر السلطان محمد الأوامر إلى جنوده بالانسحاب لكي يتيحوا الفرصة للمدافع لتقوم بعملها مرة أخرى حيث أمطرت الأسوار والمدافعين عنها بوابل من القذائف ، واتبعتهم بعد سهرهم طوال الليل ، وبعد أن هدأت المدفعية جاء قسم جديد من شجعان الإنكشارية يقودهم السلطان نفسه تغطيهم نبال وسهام المهاجمين التي لا تنفك عن محاولة منع المدافعين عنها ، وأظهر جنود الإنكشارية شجاعة فائقة وبسالة نادرة في الهجوم واستطاع ثلاثون منهم تسلق السور أمام دهشة الأعداء ، ورغم استشهاد مجموعة منهم بمن فيهم قائدهم فقد تمكنوا من تمهيد الطريق لدخول المدينة عند ( طوب قابي ) ورفعوا الأعلام العثمانية مما زاد في حماس بقية الجيش للاقتحام كما فتوا في عضد الأعضاء .

    وفي نفس الوقت أصيب قائد المدافعين( جستنيان ) بجراح بليغة دفعته إلى الانسحاب من ساحة المعركة مما أثر في بقية المدافعين ، وقد تولى الإمبراطور قسطنطين قيادة المدافعين بنفسه محل جستنيان الذي ركب أحد السفن فاراً من أرض المعركة ، وقد بذل الإمبراطور جهودا كبيرة في تثبيت المدافعين الذين دب اليأس في قلوبهم من جدوى المقاومة ، في الوقت الذي كان فيه الهجوم بقيادة السلطان شخصياً على أشده، محاولاً استغلال ضعف الروح المعنوية لدى المدافعين.

    وقد واصل العثمانيون هجومهم في ناحية أخرى من المدينة حتى تمكنوا من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج والقضاء على المدافعين في باب أدرنة ورفعت الأعلام العثمانية عليها ، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة ، ولما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة ، أيقن بعدم جدوى الدفاع وخلع ملابسه حتى لا يعرف ، ونزل عن حصانه وقاتل حتى قتل في ساحة المعركة.

    وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم النصارى المدافعين ، وتمكنت الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة وفر المدافعون بعد انتهاء قيادتهم ، وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة ، وكان الفاتح رحمه الله مع جنده في تلك اللحظات يشاركهم فرحة النصر ، ولذة الفوز بالغلبة على الأعداء من فوق صهوة جواده ، وكان قواده يهنئونه وهو يقول : (الحمد لله ليرحم الله الشهداء ويمنح المجاهدين الشرف والمجد ولشعبي الفخر والشكر).

    كانت هناك بعض الجيوب الدفاعية داخل المدينة التي تسببت في استشهاد عدد من المجاهدين ، وقد هرب أغلب أهل المدينة إلى الكنائس ولم يأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857هـ الموافق 29 من مايو 1453م ، إلا والسلطان الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقواده وهو يرددون ما شاء الله ، فالتفت إليهم وقال : لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية الذي أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنأهم بالنصر ونهاهم عن القتل والنهب والسلب، وأمرهم بالرفق بالناس والإحسان إليهم ، ثم ترجل عن فرسه واستقبل القبلة وسجد لله على الأرض شكراً وحمداً وتواضعاً لله تعالى.

    حادي عشر : معاملة محمد الفاتح للنصارى المغلوبين :

    توجه محمد الفاتح إلى كنيسة( آيا صوفية ) وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم ، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفاً عظيماً ، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان ، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة ، فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم ، وصلى فيها الفاتح صلاة العصر ، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة ، وقد أخذ العمال يعدون لهذا الأمر ، فأزالوا الصلبان والتماثيل وطمسوا الصور بطبقة من الجير وعملوا منبراً للخطيب ، وقد يجوز تحويل الكنسية إلى المسجد لأن البلد فتحت عنوة والعنوة لها حكمها في الشريعة الإسلامية.

    ثم أمر بدفن الإمبراطور بما يليق بمكانته ، وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدينة ، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.

    لقد حاول المؤرخ الإنجليزي ( ادوارد شيبرد كريسي ) في كتابة (تاريخ العثمانيين الأتراك ) أن يشوه صوره الفتح العثمانية للقسطنطينية، ووصف السلطان محمد الفاتح بصفات قبيحة حقداً منه وبغضاً للفتح الإسلامي المجيد ، وسارت الموسوعة الأمريكية المطبوعة في عام 1980م في حمأة الحقد الصليبي ضد الإسلام ، فزعمت أن السلطان محمد قام باسترقاق غالبية نصارى القسطنطينية ، وساقهم إلى اسواق الرقيق في مدينة دارنة حيث تم بيعهم هناك.

    إن الحقيقة التاريخية الناصعة تقول : إن السلطان محمد الفاتح عامل أهل القسطنطينية معاملة رحيمة وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى و الرفق بهم ، وافتدى عدداً كبيراً من الأسرى من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان ، ورجال الدين ، واجتمع مع الأساقفة وهدأ من روعهم ، وطمأنهم إلى المحافظة على عقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم ، وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد فانتخبوا ( أجناديوس) بطريكا ، وتوجه هذا بعد انتخابه في موكب حافل من الأساقفة إلى مقر السلطان ، فاستقبله السلطان محمد الفاتح بحفاوة بالغة وأكرمه أيما تكريم ، وتناول معه الطعام وتحدث معه في موضوعات شتى ، دينية وسياسية واجتماعية ، وخرج البطريريك من لقاء السلطان ، وقد تغيرت فكرته تماماً على السلاطين العثمانيين وعن الأتراك ، بل والمسلمين عامة ، وشعر أنه أمام سلطان مثقف صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة وإنسانية رفيعة ، ورجولة مكتملة ، ولم يكن الروم أنفسهم أقل تأثراً ودهشة من بطريقهم ، فقد كانوا يتصورون أن القتل العام لا بد لاحقهم ، فلم تمض أيام قليلة حتى كان الناس يستأنفون حياتهم المدنية العادية في اطمئنان وسلام.

    وهكذا فتحت مدينة الروم ، وكان عمر الفاتح آنذاك الخامسة والعشرين عاماً ، وبعد حصار دام خمسين يوماً ، وهي المدينة التي حوصرت تسعاً وعشرين مرة ، وكان بها من السكان آنذاك أزيد من 300 ألف نسمة .

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:38 pm

    فتح بلاد ماوراء النهر

    [b]يمكن تقسيم بلاد ماوراء النهر إلى خمسة أقاليم : الصغد وفيه بخارى وسمرقند ، وخوارزم ويختلف عن إقليم خراسان الذي يقع جنوبه ، والصغانيان وبذخشان والختّل وفيه مدينة ترمذ ، وفرغانة ، والشاش .
    وبلاد ماوراء النهر جزء من تركستان الغربية التي تضم في الوقت الحاضر: جمهورية أوزبكستــان وطاجكستــان ، وقد سكنها الترك ، وكان لهـم فيها إمبراطورية عظيمة قبل الميلاد ، وقد سكن المنطقة أيضاً الإيرانيون أيضاً ويبدو أنهم اغتصبوا تلك الأصقاع من الترك ، وكانت عقائد أهل المنطقة الزرادشتية وهي ديانة الإيرانيين والبوذية القادمة من الشرق .
    وكان لملوكهم ألقاب منها : خاقان : وهو لقب من ألقاب السيادة التي تطلق على أباطرة المغول والترك العظام ومعناه ملك الملوك . وأما الخان فهو الحاكم الإقليمي لبعض الولايات التي كانت تتكون منها الإمبراطورية المغولية في تركستان . أما طرخان فكان يطلق على الأشراف من الرجال الذين يمنحهم الخاقان امتيازات خاصة تشمل الإعفاء من الضرائب مع الحق في أخذ نصيب من غنائم المعركة ، ومنها الدخول إلى أرض الخاقان بدون استئذان .
    طرخون صيغة أخرى من طرخان وله امتيازات الإعفاء من الضرائب والامتيازات الأخرى ، فهما لفظان بمعنى واحد .
    وكان ملوك بلاد ماوراء النهر مستقلين استقلالاً ذاتياً ولكنهم كانوا جميعاً يدينون بالولاء للخاقان عملياً أو نظرياً ، ولكن الحرب كانت تجمعهم ليصبحوا صفاً واحداً على عدوهم المشترك في الدفاع عن مصالحهم المشتركة .
    وأما عن قصة الفتح الإسلامي لها زمن قتيبة فقد وصل قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 86هـ خراسان والياً ، فخطب الناس وحثهم على الجهاد ، وانطلق قتيبة ، فلما كان ب( الطالقان ) تلقاه دهاقين بلخ وبعض عظمائها وساروا معه ، فلما قطع نهر جيحون - النهر الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والتركية - تلقاه ملك ( الصغانيان ) بهدايا ومفتاح من ذهب ودعاه إلى بلاده فمضى معه وسلمه بلاده ، ثم سار إلى ملك (أخرون وشومان ) فصالحه ملكها على فدية أداها إليه .
    وفي سنة 87هـ قدم نيزك طرخان فصالح قتيبة عن أهل ( باذغيس ) على أن لا يدخلها ، وأطلق الأسرى المسلمين الذي كانوا في يديه وبعثهم إلى قتيبة ثم قدم إليه نيزك بنفسه .
    ثم سار قتيبة من ( مرو) إلى ( آمل ) ثم مضى إلى ( زم ) ، ثم اجتاز نهر جيحون وسار إلى ( بيكند ) ، من بلاد ( بخارى ) فاستنصروا ( الصغد )على قتيبة فأتوهم في جمع كثير ، وتأهب المسلمون للقتال ثم تزاحفوا والتقوا ، واعتصم من بالمدينة بالمدينة ، فركز سلاح الفعلة ( المهندسين ) على سورها لهدمه فسألوا الصلح فصالحهم ، وأمر عليهم رجلاً من بني قتيبة ، وارتحل عنهم فلما سار مرحلة أو مرحلتين [ المرحلة = 90 كم تقريباً ] نقضوا عهودهم فقتلوا العامل وأصحابه ومثلوا به ، وبلغه الخبر فرجع إليهم ، وقد تحصنوا فحاصرهم وقاتلهم شهراً ، واستطاع خرق التحصينات ، فطلبوا الصـلح فأبى وقاتلهم ؛ لأن النصر قد تحقق فظفر بهم عنوة فقتل من كان فيها من المقاتلة ، وعمر أهل (بيكند ) مدينتهم ثانية بإذن قتيبة .
    ثم قفل يريد مرو فإذا ب( طرخان ملك الصغد ) و ( كوربغانون ملك الترك ) في مائتي ألف يريدون قتاله فهزمهما.
    وفي سنة 88هـ فتح ( نومشكت) و( رامثينة ) من بخارى وصالح الأهالي ، وفيها غزا ملك الترك (كوربغانون) قتيبة في مائتي ألف مقاتل من أهل الصغد وفرغانة فكسرهم قتيبة وغنم منهم كثيراً .
    وفي سنة 98هـ سار قتيبة إلى ملك بخارى ( وردان خذاه ) فلقيه في طريقـه ( الصغد ) وأهل ( كش ) فقاتلوه فظفـر بهم ، ومضى إلى بخارى ولكنه لم يحقق نصراً حاسماً فرجع إلى مرو .
    وفي سنة 90هـ جدد قتيبة الصلح بينه وبين ( طرخون ملك الصغد ) وسار إلى ( بخارى ) ففتحها ، وفي السنة نفسها غدر ( نيزك طرخان ) ونقض الصلح وامتنع بقلعته ، وأرسل له قتيبة من استدرجه حتى جاء بنفسه مستسلماً، واستشار الأمراء في قتله فاختلفوا فقال : والله إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لأقتلنه ، ثم قال : اقتلوه اقتلوه اقتلوه ، فقتل .
    وفي سنة 91هـ فتح مدينة ( شومان ) بعد الحصار بالمنجنيقات ، وفي السنة التي تليها فتح مدينتي ( كش ) و( نسف ) .

    [/b]

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:39 pm

    رواية فتح سمرقند
    في سنة 93هـ وبعد أن فتح قتيبة بن مسلم الباهلي بخارى وما حولها، قال المجشر بن مزاحم السلمي لقتيبة : إن لي حاجة فأخلني ، فأخلاه ، فقال : إن أردت الصغد يوماً من الدهر فالآن ، فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا وإنما بينك وبينهم عشرة أيام ، قال: أشار بهذا عليك أحد ؟ قال : لا ، قال : فأعلمته أحداً ؟ قال :لا ، قال : والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك .

    فأقام يومه ذلك ، فلما أصبح من الغد دعا أخاه عبد الرحمن بن مسلم الباهلي فقال : سر في الفرسان والرماة ، وقدم الأثقال إلى مرو . فوجهت الأثقال إلى مرو يومه كله ، فلما أمسى كتب إليه : إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو ، وسر في الفرسان والرماة نحو الصغد ، واكتم الأخبار ، فإني بالأثر .

    عبر عبد الرحمن ومن معه النهر ، وسار إلى سمرقند ، وعبر قتيبة بالأثر ، وعبر ومن معه نهر جيحون ، وحوصرت سمرقند .

    استنجد ( غورك ) ملك الصغد بعد خوفه من طول الحصار بملك الشاش وبملك فرغانة ، وكتب إليهما : إن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به فانظروا لأنفسكم . فأجمع ملك الشاش وفرغانة على نجدة الصغد ، وأرسلا أن شاغلوا قتيبة ومن معه كي نفاجئهم على حين غرة .

    انتخب أهل الشاش وفرغانة كل شديد السطوة من أبناء الملوك والأمراء والأشداء الأبطال وأمروهم أن يسيروا إلى قتيبة ليفاجئوه ، ولكن استطلاع قتيبة يقظ فجاءته الأخبار ، فانتخب ستمائة من أهل وجعل عليهم أخاه صالح بن مسلم أميراً ، ووضع على العدو عيوناً حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم فكلمهم وحضهم ، فخرجوا من العسكر عند المغرب ، فساروا ، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم ، ففرق صالح خيله، وأكمن كميناً عن يمينه ، وكميناً عن يساره ، وأقام هو وبعض فرسانه على قارعة الطريق ، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ، جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت ، وصالح واقف في خيله ، فلما رأوه شدوا عليه ، حتى إذا اختلفت الرماح ، شد الكمينان عن يمين وعن شمال ، فلم نسمع إلا الاعتزاء ، فلم نر قوماً كانوا أشد منهم .

    لم يفلت من هذه النجدات إلا النفر اليسير ، وغنم المسلمون أسلحتهم ، وقال بعض الأسرى : تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك ، أو بطل من الأبطال المعدودين بمئة فارس ، أو بألف فارس .

    وقال فارس مسلم من الجند الذين كانوا في كمين صالح : إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة ، وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة ، فقلت : كيف ترى بأبي أنت وأمي ! قال: اسكت دق الله فاك ! قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد ، وأقمنا نحوي الأسلاب ونحتز الرؤوس حتى أصبحنا ، ثم أقبلنا إلى العسكر ، فلم أر جماعة قط جاؤوا بمثل ما جئنا به ، ما منا رجل إلا معلق رأساً معروفاً باسمه ، وأسير في وثاقه.

    لقد منع قتيبة بهذا الكمين وصول النجدات إلى ميدان المعركة ، مع إشغال النجدات قبل وصولها بكمين ليلي ، ريثما يتسنى له سحب قطعاته من حوالي أسوار سمرقند ، والقيام بحركة خاطفة ليلية للقضاء على أرتال النجدات في معركة ليلية ، في الوقت الذي يكون الكمين قد أوقف تقدمها.

    نصب قتيبة المجانيق حول سمرقند ، ورمت بتركيز دقيق على سور المدينة ، فثلمت فيها ثملة ، فرممها المدافعون عنها بسرعة كبيرة ، وجاء رجل قام على الثلمة ، فشتم قتيبة ( بعربية فصيحة ) ، وكان مع قتيبة قوم رماة ، يُسمون ( رماة الحدق) لدقة تصويبهم ، فقال لهم قتيبة : اختاروا منكم رجلين ، فاختاروا ، فقال : أيكما يرمي هذا الرجل ، فإن أصابه فله عشرة آلاف ، وإن أخطأه قطعت يده ، فتلكأ أحدهما وتقدم الآخر ، فرماه فلم يخطئ عينه ، فأمر له بعشرة آلاف.

    قال خالد مولى مسلم بن عمرو : كنت في رماة قتيبة ، فلما افتتحنا المدينة صعدت السُّور ، فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه ، فوجدته ميتاً على الحائط ، ما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه.

    قال غوزك( ملك الصُّغد) لقتيبة: إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي ، فاخرج إليّ في العرب ، فغضب قتيبة عند ذلك ، وميز العرب من العجم ، وأمر العجم باعتزالهم ، وقدم الشجعان من العرب ، وأعطاهم جيد السلاح ، وزحف بالأبطال على المدينة ، ورماها بالمجانيق ، فثلم فيها ثلمة ، وقال قتيبة: ( ألحوا عليها حتى تعبروا الثلمة ) ، فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة ، عندها قال غوزك لقتيبة : ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غداً ، فقال قتيبة : لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة ، ومجانيقنا تخطر على رؤوسهم ومدينتهم.

    وسمع قسم من المسلمين قتيبة يناجي نفسه: حتى متى يا سمرقند يعشعش فيك الشيطان ، أما والله لئن أصبحت لأُحاولن من أهلك أقصى غاية.

    وفي اليوم التالي ، والمسلمون على الثلمة ، عاود غوزك يطالب بالصلح ، فصالحه قتيبة على : الجزية ، وتحطيم الأصنام وما في بيوت النيران ، وإخلاء المدينة من المقاتلة ، وبناء مسجد في المدينة ووضع منبر فيه.

    وتم الصلح ، وأخلوا المدينة ، وبنوا المسجد ، واستلم قتيبة ما صالحهم عليه ، وصلى في المسجد وخطب فيه ، وأتى بالأصنام ، وألقيت بعضها فوق بعض . حتى صارت كالقصر العظيم ، ثم أمر بتحريقها ، فتصارخ الأعاجم وتباكوا ، وقالوا: إن فيها أصناماً قديمة ، من أحرقها هلك ، فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي ، وجاء غوزك فنهى عن ذلك ، وقال لقتيبة: أيها الأمير ، إني لك ناصح ، وإن شكرك عليّ واجب ، لا تعرض لهذه الأصنام ، فقام قتيبة ، ودعا بالنار ، وأخذ شعلة بيده ، وقال : أنا أحرقها بيدي ، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ، وسار إليها وهو يكبر الله عز وجل ، وألقى فيها النار ، فاحترقت ، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال.

    وصنع غوزك طعاماً ، ودعا قتيبة ، فأتاه غي عدد من أصحابه، فلما تغدى ، استوهب منه المدينة ، فقال قتيبة: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتكم عليه ، ولكن لا بد من جند يقيمون عندكم من جهتنا ، وأن ينتقل عنها غوزك ، فانتقل عنها ملكها غوزك ، فتلا قتيبة ( وأنه أهلك عاداً الأولى ، وثمود فما أبقى ) ، ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو ، مستخلفاً على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم ، وخلّف عنده عدداً من الجند كبيراً ، وآلة من آلة الحرب كثيرة ، مع تعليمات حازمة تتعلق بالداخلين إلى سمرقند ، والخارجين منها.

    وكان أهل خراسان يقولون : إن قتيبة غدر بأهل سمرقند ، فملكها غدراً .

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:40 pm

    رواية غزو الصين
    أعلن قتيبة سنة 96 هـ النفير العام ، لأنه قرر العبور من فرغانة إلى الصين ، ضمن الخطة التي رسمها الحجاج بن يوسف الثقفي ، الذي خاطب قتيبة وابن القاسم بقوله : ( أيكما سبق إلى الصين ، فهو عامل عليها وعلى صاحبها ) ، وكما جاء في البداية والنهاية : ( ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين ، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها ) .


    أعلن قتيبة التعبئة العامة ، وقال : ( لا يجوزن أحد [ نهر جيحون عائداً إلى مرو] إلا بجواز ) ، أي بإذن رسمي خطي يؤهله العودة من ما وراء النهر إلى مرو ، ومضى قتيبة وجنده إلى فرغانة ، وأرسل إلى شعب عصام سلاح المهندسين ( الفَعَلَة ) ليسهلوا له الطريق إلى كاشغر ، وهي أدنى مدائن الصين.

    لقد فتح قتيبة مدينة كاشغر ، وعبر بذلك نهر سيحون ، النهر الذي يشكل الحد الطبيعي الفاصل بين الفرس والترك وبين المغول ، وعبور قتيبة له كان أول تحد مباشر من المسلمين للشعوب المغولية .

    طلب إمبراطور الصين ( يوانغ جونغ ) بعد فتح كاشغر وفداً يمثل قتيبة ، وكتب إلى قتيبة كتاباً جاء فيه : ( ابعث إلينا رجلاً من أشراف من معكم يخبرنا عنكم ، ونسائله عن دينكم ) ، فانتخب قتيبة من عسكره اثني عشر رجلاً من أفناء القبائل ، لهم جمال وأجسام وألسن وشعور وبأس ، بعدما سأل عنهم فوجدهم من صالح من هم منه ، فكلمهم قتيبة وفاطنهم فرأى عقولاً وجمالاً ، فأمر لهم بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الخز والوشي واللين من البياض والرقيق والنعال والعطر ، وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم ، ودواب يركبونها .

    وكان هبيرة بن المشمرج الكلابي مفوهاً بسيط اللسان فقال قتيبة : يا هبيرة كيف أنت صانع ؟ قال : أصلح الله الأمير ، قد كفيت الأدب وقل ما شئت أقله وآخذ به ، قال : سيروا على بركة الله وبالله التوفيق ، لا تضعوا العمائم عنكم حتى تقدموا البلاد ، فإذا دخلتم عليه فأعلموه أني قد حلفت ألا أنصرف حتى أطأ بلادهم ، وأختم ملوكهم ، وأجبي خراجهم .

    سار الوفد ، وعليهم هبيرة بن المشمرج ، فلما قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم ، فدخلوا الحمام ثم خرجوا فلبسوا ثياباً بياضاً تحتها الغلائل – الثياب الذي يلبس تحت الدروع – ثم مسوا الغالية – نوع من الطيب – ، وتدخنوا ولبسوا النعال والأردية ، ودخلوا عليه ، وعنده عظماء أهل مملكته ، فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد من جلسائه فنهضوا ، فقال الملك لمن حضره : كيف رأيتم هؤلاء ؟ قالوا : رأينا قوماً ما هم إلا نساء ، ما بقي منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا اشتهى النساء .

    فلما كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشي وعمائم الخز والمطارف وغدوا عليه، فلما دخلوا عليه قيل لهم : ارجعوا ، فقال لأصحابه : كيف رأيتم هذه الهيئة ؟ قالوا : هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك الأولى ، وهم أولئك .

    فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم ، فشدوا عليهم سلاحهم ، ولبسوا البيض والمغافر ، وتقلدوا السيوف ، وأخذوا الرماح ، وتنكبوا القسي ، وركبوا خيولهم ، وغدوا ، فنظر إليهم صاحب الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة ، فلما دنوا ركزوا رماحهم ، ثم أقبلوا نحوهم مشمرين ، فقيل لهم قبل أن يدخلوا : ارجعوا ، لما دخل قلوبهم من خوفهم . فانصرفوا فركبوا خيولهم ، واختلجوا رماحهم ، ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها ، فقال الملك لأصحابه : كيف ترونهم ؟ قالوا : مارأينا مثل هؤلاء قط .

    فلما أمسى أرسل إليهم الملك ، أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم رجلاً ، فبعثوا إليه هبيرة ، فقال له حين دخل عليه : قد رأيتم عظيم ملكي ، وإنه ليس أحد يمنعكم مني ، وأنتم في بلادي ، وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفي ، وأنا سائلك عن أمر فإن لم تصدقني قتلتكم ، قال : سل ، قال : لم صنعتم ما صنعتم من الزي في اليوم الأول والثاني والثالث ؟

    قال هبيرة : أما زينا في يومنا الأول فلباسنا في أهالينا وريحنا عندهم ، وأما يومنا الثاني فإذا أتينا أمراءنا ، وأما اليوم الثالث فزينا لعدونا ، فإذا هاجنا هيج وفزع كنا هكذا ، قال الملك : ما أحسن ما دبرتم دهركم ! فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف ، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه ، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه ، قال له هبيرة : كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون – بلاد الشام - ! وكيف يكون حريصاً من خلف الدنيا قادراً عليها وغزاك ! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها القتل ، فلسنا نكرهه ولا نخافه .

    فقال ملك الصين : فما الذي يرضي صاحبك ؟ فقال هبيرة : إنه قد حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم ، ويختم ملوككم ، ويعطى الجزية ، فقال ملك الصين : فإنا نخرجه من يمينه ، نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطؤه ، ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ، ونبعث إليه بجزية يرضاها ، ثم دعا بصحاف من ذهب فيها تراب ، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ، ثم أجازهم فأحسن جوائزهم ، فساروا فقدموا بما بعث به ، فقبل قتيبة الجزية ، وختم الغلمة ، وردهم ، ووطئ التراب .

    وبعد فتح كاشغر جاء إلى قتيبة خبر موت الوليد بن عبدالملك أمير المؤمنين ، وتولي سليمان بن عبدالملك مكانه ، فانكسرت همته لذلك ، وعاد أدراجه ، فقتل في فرغانة .

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:41 pm

    فتح عمورية أو الفتح الإسلامي لعمورية, أحد أهم المعارك في التاريخ الإسلامي, والتي تعد من أخر اقوي الفتوحات الإسلامية ضد الدولة البيزنطية والتي انتهت بفتح مدينة عمورية العتيدة, وذلك علي أثر غزو الامبراطور ثيوفيل لمدينة زبطرة.
    مقدمة

    وصل المعتصم إلي الخلافة, بعد وفاة أخيه المأمون الذي عهد إليه بالخلافة, وأوصاه بوصية طويلة , بدأ المعتصم بقرار خطير, فقد أمر بهدم ما كان المأمون أبتناه بطوانة , وأمر بصرف من كان المأمون أسكن ذلك من الناس إلى بلادهم, وهو خطأ كبير, ونهاية لخطة حكيمة وضعها سلفه لضرب البيزنطيين , الأمر الذي يعكس سياسة جديدة تجاه الدولة البيزنطية, حيث لم يتجه المعتصم مثل أخيه المأمون في محاولاته لتقويض الإمبراطورية البيزنطية, وبدء عهده بمحاولة القضاء علي فتنة بابك الخرمي, والتي اتخذت أبعاد سياسية ودينية كبيرة, ولأهمية فتنة بابك الخرمي وعلاقته بموضوع البحث فسوف نناقش بعض جوانب تلك الفتنة.
    فتنة بابك الخرمي(201-222هـ)

    هي أخطر حركة دينية في المظهر سياسية في الغاية عرفتها فارس منذ قيام الدولة العباسية, وتتميز عن الحركات السابقة بسعتها وبتنظيم دعايتها , ولكنها في أسسها تشبه الحركات السابقة, وتعتبر حركة بابك استمرار للحركة الخرمية, فقد نجح الرجل أن يتزعم طائفة من أتباعها, ثم أستطاع أن يوحد صفوفها وينظمها, وأضاف إليها عبقريته العسكرية ودهائه السياسي ومقدرته علي التنظيم . استمر بابك في نجاح مطرد في حركته من سنة 201 إلي 218هـ, فقد أستطاع أن يهزم أربعة قواد من قادة المأمون, وقام بتخريب حصون أذربيجان التابعة للعباسيين فأضعف ذلك دفاعهم, وظل نجاحه حتى سنة 218هـ حينما أستطاع إسحاق بن إبراهيم, تشتيت المحمرة من أتباع بابك في منطقة همذان, والذي التحق قسم منهم بالدولة البيزنطية والذين لعبوا دورا مهم في تخريب زبطرة. استطاع بابك الاتصال بالإمبراطور البيزنطي, حيث وجدت إشارات بالمصادر البيزنطية إلي مفاوضات سرية بين بابك وبين البيزنطيين , وما يدل علي وجود علاقات بين بابك وبين البيزنطيين, هروب المحمرة إلي الدولة البيزنطية كما ذكرنا, وكذلك انه عندما ضاق الحال به أراد أن يفر إلي القسطنطينية, وكانت تلك العلاقة ما بين البيزنطيين وبابك, دور خطير في تحويل ثيوفيل إلي الدولة العباسية بدلا من محاولة استعادة كريت وقبرص, كذلك من الملاحظ أن ثيوفيل لم يبدي اهتمام في بداية حكمه إلي الجبهة الإسلامية, إلا بعد غزو المأمون للصائفة بنفسه عام 215هـ, فربما استغل بابك هذا العداء واتصل بالإمبراطور البيزنطي وإجراء نوع من التحالف لتبادل المساعدة وقت الحاجة, وإلا فلم لبى ثيوفيل استغاثة بابك, وقام بالهجوم علي زبطرة,وقد وجد ثيوفيل في مساندة بابك الخرمي فرصة للرد علي مساندة الخليفة المأمون لثورة توماس , وكذلك فإن مراسلة بابك لثيوفيل, فنص المصادر العربية نجد فيها شاهد علي أنها ليست المراسلة الأولي بينهما وإلا لما أرسل إليه بما سبق ذكره في رسالته التي تنم علي معرفة [[بابك[[بطبيعة العلاقة العباسية البيزنطية ونستشف منها أيضا علم بابك بحقد ثيوفيل البالغ علي العباسيين" فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنعك" مما يعني علمه بنوايا ثيوفيل تجاه الدولة العباسية ونيته في الانتقام منها, خصوصا بعد إذلال المأمون له من قبل , الأمر الذي يعني عن وجود علاقات متبادلة بين الطرفين ومراسلات وربما كانت هناك اتفاقية أو معاهدة, ولكنه مجرد رأي ليس له دليل ولكن الشاهد من الرسالة السابقة يوضح فقط وجود علاقات ومراسلات بين الطرفين. ومن تلك الرسالة يتضح انه يطمعه في الدخول في حرب مع العباسيين وسهل له أمر الانتصار وغرضه من ذلك " طمعاً منه بكتابه ذلك إليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بإزائه من جيوشه إلى ملك الروم، واشتغاله به عنه" استطاع المعتصم أن يقضي علي فتنة بابك الخرمي, بعد أن وجه إليه اقدر قواده وهو الأفشين حيدر بن كلوس, والذي بعد مواجهات دامية أن يهزم بابك ويستولي علي عاصمته البذ في عام 222هـ, وقد استطاع الأفشين القبض عليه, بمساعدة أحد البطارقة, والذي امن بابك ثم غدر به, وجئ به إلي سامراء حيث قطعت أوصاله ثم صلب و أرسلت رأسه إلي همذان .
    الغارة البيزنطية علي زبطرة وملطية

    عندما أوشك بابك علي الهزيمة أرسل إلي ثيوفيل, علي أمل أن يمد له يد المساعدة, وقد أخبره أن المعتصم قد وجه إليه كل جيوشه "حتى لم يبقي أحد علي بابه فإن أردت الخروج إليه فاعلم أنه ليس في وجهك أحد يمنعك؛ طمعاً منه بكتابه ذلك إليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بإزائه من جيوشه إلى ملك الروم، واشتغاله به عنه" . ويعتبر هذا هو السبب الرئيسي وراء هجوم ثيوفيل علي زبطرة وملطية, والذي اتسم بالوحشية الشديدة, ولعله أيضا أراد الانتقام من الخلافة, وخصوصا بعد ازلال المأمون له, ورفضه لطلبه بالصلح.
    دور المحمرة في الهجوم علي زبطرة

    وربما يكون المحمرة قد لعبوا دورا في إقناع الإمبراطور بالتوجه للحرب مع المسلمين, يذكر الطبري أن كان مع ثيوفيل أثناء هجومه علي زبطرة " المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة رئيسهم بارسيس. وكان ملك الروم قد فرض لهم، وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم في أهم أموره إليه" تعتبر تلك الإشارة عن المحمرة ومشاركتهم في الهجوم, وكذلك عن منزلتهم فكما قال الطبري يستعين بهم في أهم أموره, وهؤلاء المحمرة من أتباع بابك, ربما كانوا عامل في تشجيع ثيوفيل علي الهجوم, كذلك لا يستبعد أنهم وراء وحشية الهجوم علي زبطرة, فقد كان ثيوفيل في غاراته السابقة يكتفي بالقتل وأخذ الأسري, أما في هذا الهجوم فتم معاملة الأسري بوحشية, حيث قام بالتمثيل بهم " ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم" , وقد ذكر أنها كانت مذبحة عامة شملت اليهود والمسيحيين والمسلمين , ربما يرجع ذلك إلي مشاركة المحمرة, الذين لم ينسوا هزيمتهم وإخراجهم من بلادهم, وكذلك القبض علي رئيسهم بابك وقتله ربما كان عامل وراء فظاعة الهجوم, كذلك عندما أرسل ثيوفيل إلي المعتصم سفارة أثناء حصاره لعمورية يوضح له أن قادته تجاوزوا أوامره, أثناء حملته علي زبطرة, "وأن الإمبراطور يعد بتسليم كل من قام بعمل تخريبي ضد هذه المدينة" وعلي ما يبدو أنها إشارة إلي المحمرة فلا يعقل أن الإمبراطور الذي يسعي إلي حفظ الدم [[[مسيحية|المسيحي]] في عمورية أن يسلم غيرهم إلي المسلمين ليقتلوهم, والله أعلم. وصلت أنباء تلك الغارة إلي المعتصم, فقام المعتصم بتصرف سريع" ووجه عجيف بن عنبسة وعمراً الفرغاني ومحمد كوتة وجماعة من القواد إلى زبطرة إعانة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد ما فعل ما قد ذكرناه، فوقفوا قليلاً؛ حتى تراجع الناس إلى قراهم" .


    قصة المرأة الهاشمية

    وقد ذكر ابن الأثير أن " أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه " , وعلي ما يبدو ضعف تلك الرواية, وذلك لعدة أمور منها, أن المؤرخين الذين ذكروا قصة المرأة اختلفوا هل هي هاشمية أم لا؟, فبينما يذكر ابن الأثير أنها هاشمية يذكر العصامي" أن رجلا وقف على المعتصم حال شربه وقال: يا أمير المؤمنين كنت بعمورية وجارية من أحسن النساء أسيرة قد لطمها على وجهها علج فقالت: وامعتصماه" , وكذلك ابن الجوزي في المنتظم , ونجد الاختلاف في كونها هاشمية أم لا في كثير من كتب المؤرخين والأدباء, فنجد القلقشندي يذكر رواية ذات طابع أدبي بديع عن تلك الشريفة التي أسرها الروم . كذلك فإن تلك الرواية لم يذكرها المعاصرون, فنجد أن الطبري لم يذكر تلك الرواية, كذلك فإن المسعودي يذكر أنه عند وصول نبأ الغارة " فدخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم، فأنشده قائماً قصيدةً طويلةً يذكر فيها ما نزل بمن وصفنا ويحضه على الانتصار ويحثه على الجهاد" .
    الاستعدادات لفتح عمورية

    عند وصول الخبر إلي المعتصم, تأثر من شدة الغارة, فصاح في القصر بالنفير, وقام بإرسال " عجيف بن عنبسة وعمراً الفرغاني ومحمد كوتة وجماعة من القواد إلى زبطرة إعانة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد ما فعل ما قد ذكرناه، فوقفوا قليلاً؛ حتى تراجع الناس إلى قراهم، واطمأنوا" , وكان هذا حسن تصرف سريع من المعتصم, وعسكر غربي دجلة حتى تجتمع إليه القوات, وقد عزم علي غزو عمورية, ويرجع اختيار عمورية دون غيرها ما ذكره الطبري عنها "هي عين النصرانية وبنكها؛ وهي أشرف عندهم من القسطنطينية", كذلك فهي مسقط رأس الأسرة العمورية, وبذلك تكون ضربه مهينه لرأس الإمبراطورية ذاتها، وتشير المصادر البيزنطية أن المعتصم أمر إن ينقش علي الألوية والتروس إلي عمورية , وهو ما ينفي أن المعتصم قد قرر غزو عمورية بعد خروجه من سامراء كما يري البعض , وكذلك يوجد رأي بأن مشروع فتح عمورية إنما كان مخطط له من قبل المأمون ولكنه لم يسعفه القدر لإتمامه , ولا نجد أي إشارة لكون المأمون يرغب في فتح عمورية بالتحديد في المصادر العربية, ولكن ما نجده يدل علي انه كان يريد تقويض الإمبراطورية البيزنطية وفتح القسطنطينية حلم الخلفاء من أيام معاوية بن سفيان, ومن الغريب إعلام الجيش بوجهته, حتى أن الإمبراطور علم بوجهة الحملة, وانه قد عسكر في انتظارها عند دوريليوم , فيما يعد جرأة من المعتصم, وتحدي مباشر للإمبراطور البيزنطي, لأنه من ابسط دواعي الأمن في الخروج في الغزوات عدم التصريح بوجهتها, والله اعلم. وقد تجهز الخليفة بالكثير من أدوات الحصار والعدد والمؤن, وكانت أكبر حملة يقوم بها خليفة ضد بيزنطة من حيث كبر الاستعداد علي ما رواه الطبري , وقد قدر المسعودي حجم القوات التي صاحبت المعتصم ما بين المائتين والخمسمائة ألف .
    المسير والفتح

    اصطحب المعتصم معه خيرة قواد الدولة في ذلك الوقت علي رأسهم الأفشين, وقام بتقسيم الجيش" وجعل على مقدمته أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة" , وعندما وصل إلي نهر اللمس , قسم الجيش من جديد, فأرسل الأفشين إلي سروج ,وأرسل أشناس من درب طرسوس, وقد حدد لهم يوما ليجتمع الجيشان فيه علي أنقرة," فإذا فتحها الله عليه صار إلى عمورية ، إذ لم يكن شيء مما يقصد له من بلاد الروم أعظم من هاتين المدينتين، ولا أحرى أن تجعل غايته التي يؤمّها" . عندما علم الإمبراطور البيزنطي بهذه الحملة خرج علي رأس جيشه لمنازلة المسلمين, وعندما وصلت الأنباء عن ضخامة الجيش الإسلامي, طلب بعض قادته إخلاء عمورية صونا للدم المسيحي, ولكن الإمبراطور رفض الاستماع لهذه النصيحة . وأثناء مسير القوات استطاعت استخبارات المسلمين العسكرية, تحديد موقع الإمبراطور البيزنطي, فأرسل المعتصم إلي أشناس يأمره بالانتظار بمرج الأسقفّ, حتى تتوافي إليه القوات, ثم أرسل إليه مرة ثانية يأمره بتوجيه سرية لاستطلاع مكان الملك وموقفه, فأرسل عمرو الفرغاني في مائتي فارس, والذي استطاع أن يقبض علي رجل رومي, والذي دله علي مكان الإمبراطور, وكان تقريرهم بأن " الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يوماً ينتظر عبور المعتصم ومقدمّته باللمس ؛فيواقعهم من وراء اللمس..... أنه قد رحل من ناحية الأرمنياق عسكر ضخم ، وتوسط البلاد - يعني عسكر الأفشين - وأنه قد صار خلفه" فأرسل أشناس التقرير إلي المعتصم, والذي وجه الرجال في طلب الأفشين " إشفاقاً من أن يواقعه ملك الروم".
    معركة الأفشين مع الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل

    حين علم ثيوفيل بتوجه الأفشين إليه, سارع بالتوجه إليه ومعه قسم من جيشه, وجعل أحد أقاربه علي الباقي, وألتقي مع الأفشين في معركة هائلة في صباح الخميس 25 شعبان 223هـ عند مدينة دازيمون , وكان النصر حليف البيزنطيين في بداية الأمر لكن الأمر تغير بعد الظهر" فلما كان الظهر رجع فرسانهم، فقاتلونا قتالاً شديداً حتى حرقوا عسكرنا، واختلطوا بنا واختلطنا بهم؛ فلم ندر في أي كردوس الملك" وكانت المعركة شديدة حتى أن الإمبراطور لم ينجو إلا بصعوبة شديدة, ولم يظهر إلا في اليوم الثاني, فلم رجع وجد هروب كثير من جنده, وربما مرجع ذلك لظنهم بموته, فما كان منه إلا أن قتل قريبه الذي استخلفه علي الجند, وبعث في المدن بإرسال الجنود الفارين إلي قتال المسلمين, بعد جلدهم, ووجه خصيا له مع الجنود للدفاع عن أنقرة " فجاء الخصي إلى أنقرة، وجئنا معه، فإذا أنقرة قد عطلها أهلها، وهربوا منها، فكتب الخصي إلى ملك الروم يعلمه ذلك، فكتب إليه الملك يأمره بالمسير إلى عمورية" , أما عن الملك فقد أتخذ طريقه إلي نيقية ومنها إلي دوريليوم . == فتح أنقرة والمسير إلي عمورية ==
    بعدما انتصر الأفشين توجه إلي أنقرة, فوجدوا قد هجرت, كما ذكرنا, فأحتلها, وخربت المدينة, وتوالي قدوم القوات إلي أنقرة وبعد سقوط أنقرة أمر ثيوفيل بتركيز القوات في عمورية من أجل الدفاع عنها, وقام بتعيين قائد قدير وهو ياطس وقام بآخر محاولة من أجل إنقاذ عمورية, فأرسل سفارة إلي المعتصم يعده أن يسلم كل من قام بعمل تخريبي ضد زبطرة, وبناءه لزبطرة علي نفقته الخاصة, فرفض المعتصم عرض ثيوفيل. قام المعتصم بإعادة تقسيم القوات " ثم صيّر العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، والأفشين في الميمنة؛ وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر منهم أن يكون له ميمنة وميسرة" , وأمر بتخريب جميع القرى علي طول الطريق إلي عمورية. تواصل قدوم الجيوش إلي عمورية, وكان أول من وردها أشناس, وعند تكامل القوات، قام المعتصم بتوزيع أبراج المدينة علي قواده ليتولوا مهاجمته, علي قدر ما معه من قوات, وتشير المصادر العربية إلي ظهور عربي متنصر كان قد أسره البيزنطيون فتنصر وتزوج منهم وعاش في عمورية, وعندما علم بقدوم الخليفة, اختبأ خارج المدينة, وسارع بالاتصال بالخليفة المعتصم, اخبره عن نقطة ضعف في سور المدينة, حيث كان هناك موضع في السور هدم نتيجة سيل شديد, وتواني الحاكم في بناءه, وعندما علم بمرور الإمبراطور بناه بغير إحكام, فانتهز المعتصم ذلك وأمر بتركيز الرمي بالمنجنيق علي هذا الموضع, حتى تصدع السور, ولكن قاوم أهالي عمورية بشجاعة "فلما رأى أهل عمورية انفراج السور، علقوا عليه الخشب الكبار، كل واحد بلزق الأخرى؛ فكان حجر المنجنيق إذا وقع على الخشب تكسر، فعلقوا خشباً غيره، وصيروا فوق الخشب البراذع ليترسوا السور" وعموما لم يفد هذا كثيرا فقد انصدع السور, الأمر الذي كان له أثره علي ياطس, فحاول ياطس مراسلة الإمبراطور, عن طريق جاسوسين فشلا في اختراق حصار المسلمين, وتم وقوع الخطاب في أيدي المسلمين, وعلي ما ذكر الطبري فإنه كان ينوي الهروب, وعلي ما يبدو أن المعتصم استغل الخطاب في حرب نفسيه ضد ياطس والمقاومين داخل المدينة " فقالا: ياطس يكون في هذا البرج، فأمر بهما فوقفا بحذاء البرج الذي فيه ياطس طويلاً، وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدراهم وعليهما الخلع، ومعهما الكتاب حتى فهمهما ياطس وجميع الروم، وشتموهما من فوق السور" , وقام بعدها المعتصم بتشديد الحصار والدوريات حول المدينة حتى لا يستطيع أحد الخروج أو الدخول. كانت عمورية مدينة شديدة التحصين يوجد بها 44 برج, ويحيط بها خندق, لكن انهدام السور في الموضع الذي دل عليه العربي المتنصر, اضعف من موقف المدافعين, كذلك فقد احتال المعتصم لكي يتغلب علي مناعة الخندق " دبر في ذلك أن يدفع الغنم إلى أهل العسكر إلى كل رجل شاة فيأكل لحمها، ويحشو جلدها تراباً ثم يؤتى بالجلود مملوءة تراباً؛ حتى تطرح في الخندق" , وقد كان لذلك بالتأكيد أثره في رفع معنويات الجنود, وساعد في ردم الخندق. قام المسلمون بمهاجمة الموضع المتهدم في السور, فأول من هاجم السور أشناس, وفي اليوم الثاني الأفشين, وقد كان الهجوم موفق في اليوم الثاني أكثر من اليوم الأول, الأمر الذي جعل أشناس يحقد علي قواده, وقام بتوبيخهم أشد التوبيخ علي تقصيرهم في مهاجمة السور في اليوم الأول, ولكن مرجع ذلك لم يكن حقا إلي مهارة الأفشين فحسب, ولكن كان لان من قاتل في اليوم الأول من المدافعين هم أنفسهم من قاتل في اليوم الثاني, وهم من قاتل في اليوم الثالث, فنجد الطبري يذكر عن القتال في اليوم الثالث " فلما كان في اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين خاصة، ومعهم المغاربة والأتراك، والقيم بذلك إيتاخ، فقاتلوا فأحسنوا واتسع لهم الموضع المنثلم", الأمر الذي كان له أثره علي القائد المكلف بهذا الموضع, فقد كثر الجرحى والقتلى في صفوف قواته, في حين أن جنود المسلمين المهاجمين يتغيرون كل يوم وهم في حالة معنوية جيدة, خاصة بعد انفراج السور, وهو ما ِأشار إليه الطبري, وعندما طلب المدد من ياطس وباقي القواد لم يمده أحد, وربما لا يرجع ذلك إلي تخاذل منهم, ولكن ربما يرجع إلي شدة هجمات المسلمين علي باقي الأبراج وسور المدينة, وعندها لم يجد بدا من التسليم فخرج وسلم ما كلف بالدفاع عنه, مقابل الأمان له ولجنوده, وبذلك أنتهي حصار المدينة الذي استمر 12 يوما في 12 أغسطس 839م-18 رمضان 223هـ. فاستباحها المسلمون, وقام المعتصم بقتل ياطس, و بلغ من كثر السبي والمغانم أن أمر المعتصم " ألا ينادى على السبي إلا ثلاثة أصوات، ليتروح البيع، فمن زاد بعد ثلاثة أصوات، وإلا بيع العلق؛ فكان يفعل ذلك في اليوم الخامس؛ فكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، وعشرة عشرة، والمتاع الكثير جملة واحدة " , " وجاء ببابها إلى العراق وهو باق حتى الآن منصوب على أحد الأبواب دار الخلافة وهو الباب الملاصق مسجد الجامع في القصر" . وهنا يبدر لنا تساؤل أين كان ثيوفيل أثناء حصار المعتصم لعمورية؟ ولماذا لم يحاول فك الحصار تركها لمصيرها؟ هل كانت مواجهة مع الأفشين حاسمة بشكل أعجزه عن تجميع قوات؟ أم هو عامل الوقت؟, كل ما استطعت التوصل له هو رأي بأن ثيوفيل توجه للقسطنطينية لسماعه بخبر مؤامرة عسكرية ضده . وقد قيل أن المعتصم كان ينوي المسير إلي القسطنطينية ومحاولة فتحها, ولكن ما دلت عليه الأحداث السابقة, والتالية تنفي هذا الرأي, فقد أنشغل المعتصم ب

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:41 pm

    معركة الزاب الكبري ‏وقعت في عام 132 هـ الموافق 25 يناير 750 قرب نهر الزاب الأكبر، وهو أحد روافد نهر دجلة، ويقع فـى شمال العراق. وقعت المعركة بين عبد الله بن علي بن عبد الله وهو عم أبو العباس عبد الله السفاح ومروان بن محمد الخليفة الأموي. حيث التقي الجيشان في منطقة الزاب بين الموصل وأربيل فانهزم جيش مروان وفر إلى مصر حث قتل في مدينة أبى صير فكان آخر ملوك بني أمية في الشام.‏ وبمقتلة انتهت عملياً الخلافة الأموية ولذلك تعد إحدى المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي، ولم ينجو من الأموين إلا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب بعبد الرحمن الداخل الذي فر إلى الأندلس وأسس الدولة الأموية بها.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:43 pm

    معركـــة شــذونــة لقد جاءك مَنْ لا يريد إلا الموت أو إصابة ما تحت قدميك، حطَّوا في السهل موطِّنين أنفسهم على الثبات، ليس لهم في أرضنا مهرب، ولا سفن يتعلقون بها»، هذا جزء من التقرير الذي كتبه خبراء الافرنج من جواسيس ملك الأسبان «لذريق»، بعد ان توغَّلوا في صفوف المسلمين الذين كانوا يقفون أمام بلاد الأسبان وقوف المجاهدين يرفعون شعاراً مضيئا فيه خير البشر أجمعين «لا إله إلا الله» و{إنَّ پدٌَينّ عٌندّ پلَّهٌ الإسًلامٍ } ويرفعون أصواتهم بالنداء الذي لا يخوضون معركة مع الكفار إلا بعده: «ندعوكم إلى الإسلام، أو الجزية، أو الجهاد في سبيل الله»، نداء واضح ينذر الآخرين قبل خوض المعارك معهم، فمن أسلم أصبح جزءا لا يتجزأ من الجسد الإسلامي الواحد الذي يشد بعضه بعضا، ومن أبى الإسلام، فلا إكراه في الدين، يبقى على دينه ويتعهد بعدم الاعانة على المسلمين أو الكيد لهم، ويدفع جزية تجعل له حقوقا عند المسلمين يحققون بها له الأمن والاستقرار وكرامة الحياة الإنسانية المستقرة، وإذا أبى أولئك إلا الحرب، وجدوا من المسلمين حرصا على الجهاد في سبيل الله، لابلاغ دعوة الحق دون خوف من موت، ولا وجلٍ من كثرة عدو.
    هذه الصورة نقلها ذلك التقرير السياسي العسكري الذي وضعه الجواسيس بين يدي الملك الاسباني «لذريق»، فماذا صنع؟
    شعر بالقلق الشديد، وأدرك أن هذه الصفات التي وصف بها الجيش الإسلامي هي السبب الأول في تحقيق الثبات في الحروب، والنصر بتأييد الله فيها، ولكنه مع ذلك وضع نصب عينيه خيار الحرب، وبدأ بالإعداد لها إعداداً كبيراً يهدف من ورائه الى القضاء على الجيش الإسلامي الذي يقرع أبواب مملكته بقوة واقتدار، وقد زاده إصراراً على ما يريد ما بلغه عن قلة عدد المسلمين حيث لم يكونوا يتجاوزون سبعة آلاف مقاتل، كان بينهم ثلاثمائة عربي فقط، وسائرهم من البربر، ولو أن «لذريق» تأمل التقرير الذي بين يديه بعيدا عن غروره وكبريائه لأدرك ان الهمم التي يحملها هؤلاء «المسلمون» لا يؤثر فيها قلة عدد أو ضعف عُدَّة.
    كان الجيش الاسلامي في شوق الى الجهاد، وكان طارق بن زياد يشعر بالقلق على جيشه الصغير بعد ان بلغه أن «لذريق» جمع جيشا قوامه أربعون ألفا، وهنا طلب من موسى بن نصير «والى افريقية»، ان يمده بجيش آخر، فأرسل اليه خمسة آلاف مجاهد، انضموا الى اخوانهم، ولسان حالهم يقول: لن يهزم اثنا عشر الفا من قلة أبداً.
    هناك في الجهة الأخرى زاد شعور ملك الاسبان بتفوق جيشه عدداً وعدَّة فأمر أن تؤخذ معهم كميات كبيرة من الحبال خُصِّص لها عدد من الدواب، وحينما سئل عن ذلك، أجاب: لنقيِّد فيها أسرى المسلمين!!
    أما طارق بن زياد فقد كان يدرك خطورة الفارق الكبير بين عدد الجيشين وعدتهما، فأمر الناس أن يتوجهوا الى الله بالتضرع والدعاء، وحثهم على كثرة الصلاة، والبعد عن المعاصي، خاصة وانهم في شهر رمضان المبارك.
    نعم.. هذا هو السلاح القوي الذي لم يفكر «لذريق» في اعداده، دعاء وتضرع وابتهالات حارة كان يرفعها طارق بن زياد، وأرواح مسلمة تتفوق على جيش العدو بالعقيدة، وطلب الشهادة في سبيل الله.
    في الثامن والعشرين من رمضان بدأت المعركة، واستمرت ثمانية أيام بلياليهن، بين اثني عشر ألف مسلم، وأربعين ألف كافر، وكانت النتيجة المذهلة للأعداء قتل ملك الاسبان لذريق، وانتصر المسلمون انتصارا عظيما، وأسر المسلمون ألوفا من الافرنج قيدوهم في الحبال التي امر لذريق بحملها معهم ليقيدوا فيها أسرى المسلمين.. وشهد وادي لكة «شذونة»، ملحمة من أعظم ملاحم الإسلام كان لها الأثر الكبير في فتح بلاد الأندلس جميعها.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:43 pm

    معركة بلاط الشهداء
    (2 من رمضان 702 هـ = 20 من إبريل 1303م)

    في عهد الخليفة الأموي "الوليد بن عبد الملك"، وبفضل الله ثم جهود القائدين العظيمين طارق بن زياد وموسى بن نصير فتح المسلمون الأندلس سنة (92 هـ = 711م ، وأقاموا فيها دولة إسلامية تابعة لدولة الخلافة الأموية، وخلال سنوات قليلة امتدت فتوحات المسلمين حتى وصلت على يد القائد المجاهد السمح بن مالك إلى جنوبي فرنسا والتي كانت تعرف في ذلك الحين ببلاد الغال.

    وفي إحدى غزوات السمح بن مالك التقى بقوات الفرنجة في تولوشة ونشبت معركة ضارية ثبت فيها المسلمون على قلة عددهم وأبدوا شجاعة نادرة، و تأرجح النصر بين الفريقين حتى سقط السمح بن مالك شهيدًا من فوق جواده في (9 من ذي الحجة 102 هـ = 9 من يونيو 721م)، فاضطرب جيش المسلمين واختل نظامه وارتد المسلمون إلى مدينة "سبتمانيا" بعد أن فقدوا عدداً مقدراً من جنودهم.

    وخلف السمح بن مالك على قيادة الجيش وولاية الأندلس عبد الرحمن الغافقي لفترة مؤقتة ثم "عنبسة بن سحيم الكلبي فأتم فتح إقليم سبتمانيا، وواصل سيره حتى بلغ مدينة "أوتون" في أعالي نهر الرون، وبسط سلطانه في شرق جنوبي فرنسا، ثم استشهد، وبعد استشهاده إضطربت الأمور وتتابع على حكم الأندلس ست ولاة فلم تعرف استقراراً حتى تولى عبد الرحمن الغافقي أمور الأندلس مرة أخرى في سنة (112 هـ = 730م). فأحكم أمرها وأحسن سياستها، فعم الاستقرار ربوعها، غير أن هذا الاستقرار كانت تنغصه تحركات الإفرنج والغوط فعزم الغافقي على تأديبهم، وجمع جنده في "بنبلونة" شمال الأندلس، وعبر بهم في أوائل سنة (114 هـ = 732م) جبال ألبرت ودخل فرنسا (بلاد الغال)، واتجه إلى الجنوب إلى مدينة "آرال" الواقعة على نهر الرون؛ لامتناعها عن دفع الجزية وخروجها عن طاعته، ففتحها بعد معركةضارية، ثم توجه غربا إلى دوقية أقطاينا "أكويتين"، وحقق نصرا حاسما على ضفاف نهر الدوردوني ومزّق جيشها شر ممزق، واضطر الدوق "أودو" أن يتقهقر بقواته نحو الشمال تاركا عاصمته "بردال" (بوردو) ليدخلها المسلمون فاتحين، وأصبحت ولاية أكويتين في قبضة المسلمين تماما، ومضى الغافقي نحو نهر اللوار وتوجه إلى مدينة "تور" ثانية مدائن الدوقية، وفيها كنيسة "سان مارتان"، وكانت ذات شهرة فائقة آنذاك؛ فاقتحم المسلمون المدينة واستولوا عليها.

    ولم يجد الدوق "أودو" بدا من الاستنجاد بالدولة الميروفنجية، وكانت أمورها في يد شارل مارتل، فلبى النداء وأسرع بنجدته، وأعد جيشاً كبيراً حسن التدريب ، تحرك به حتى وصل إلى مروج نهر اللوار الجنوبيةحيث فاجأ جيش المسلمين بقواته الجرارة التي تفوق جيش المسلمين عدداً وعدة، فاضطر عبد الرحمن إلى الرجوع والارتداد إلى السهل الواقع بين بواتييه وتور، وعبر شارل بقواته نهر اللوار وعسكر بجيشه على أميال قليلة من جيش الغافقي.

    وفي مكان يبعد نحو عشرين كيلومترا من شمالي شرق بواتييه يسمّى بالبلاط (وتعني الحصن) وتسمّى في المصادر الأوربية معركة "تور- بواتييه" نشب القتال بين الفريقين في (أواخر شعبان 114 هـ – أكتوبر 732م)، واستمر تسعة أيام حتى أوائل شهر رمضان، دون أن يحقق أحدهما نصرا حاسما لصالحه.

    وفي اليوم العاشر نشبت معركة هائلة، وأبدى كلا الفريقين منتهى الشجاعة والجلد والثبات، حتى بدأ الإعياء على الفرنجة ولاحت تباشير النصر للمسلمين، ولكن حدث أن تسللت فرقة من فرسان العدو حتى وصلت معسكر الغنائم، فارتدت فرقة كبير من فرسان المسلمين من قلب المعركة لرد الهجوم المباغت وحماية الغنائم، غير أن هذا أدى إلى خلل في النظام، واضطراب في صفوف المسلمين، واتساع في الثغرة التي نفذ منها الفرنجة.

    وقتل قائد المسلمين عبد الرحمن الغافقي فازدادت الصفوف اضطرابا وعم الذعر في الجيش وتمكن جيش المسلمين من الانسحاب في جنح الليل إلى سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم أسلابهم غنيمة للعدو.

    ولما أسفر الصبح نهض الفرنجة لمواصلة القتال فلم يجدوا أحدا من المسلمين، ولم يجدوا سوى الجرحى العاجزين عن الحركة؛ فذبحوهم على الفور، واكتفى شارل مارتل بانسحاب المسلمين، ولم يجرؤ على مطاردتهم، وعاد بجيشه إلى الشمال من حيث أتى.

    تعليقاً على هذه المعركة قال "إدوارد جيبون" في كتاب "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية" عن هذه المعركة: "إنها أنقذت آباءنا البريطانيين وجيراننا الفرنسيين من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وشدت بأزر النصرانية".

    وقال السير "إدوارد كريزي": "إن النصر العظيم الذي ناله شارل مارتل على العرب سنة 732م وضع حدا حاسما لفتوح العرب في غرب أوروبا، وأنقذ النصرانية من الإسلام".

    بينما يرى فريق آخر من المؤرخين المعتدلين في هذا الانتصار نكبة كبيرة حلت بأوروبا، وحرمتها من المدنية والحضارة، فيقول "جوستاف لوبون" في كتابه المعروف "حضارة العرب"، الذي ترجمه "عادل زعيتر" إلى العربية في:

    "لو أن العرب استولوا على فرنسا، إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزا للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ بل ويقرض الشعر أحيانا، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم".

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:53 pm

    معركة جالديران
    منذ أن سقطت الدولة العبيدية الفاطمية بمصر سنة 567هـ، ولم يصبح للشيعة بشتى فرقهم دولة تمثلهم أو يأوون إلى ظلها، على الرغم من ظهور بعض الحكام الشيعة في دولة التتار إلا إن التشيع لم يكن شعار الدولة، وظل الأمر على ما هو عليه حتى استطاع «إسماعيل بن حيدر الصفوي» أن يكون دولة جديدة للشيعة في منتصف الهضبة الإيرانية وذلك سنة 907هـ، وكان إسماعيل الصفوي شديد التشيع والتعصب, سفك دم قرابة المليون مسلم سني من أجل فرض التشيع الاثني عشري على سكان البلاد, واستعان على ذلك بالعصبية القبلية لقبائل القزلباش التركية، حتى استطاع أن يجبر سكان البلاد للتحول للمذهب الشيعي بعد أن كانوا على السنة، وكان إسماعيل الصفوي شديد السطوة والبطش والإرهاب حتى أن جنوده كانوا يسجدون له من شدة تعظيمهم له.



    اتبع إسماعيل الصفوي سياسة التمدد الشيعي المذهبي، فعمد إلى نشر التشيع في البلاد المجاورة لدولته، وهذه السياسة جعلته يصطدم بقوة عظمى قائمة وقتها هي الدولة العثمانية التي كانت تعتبر زعيمة العالم الإسلامي السني وقتها بعد أن ضعفت دولة المماليك وذهب ريحها, وهذا الصدام جعل إسماعيل الصفوي يتجه إلى محالفة البرتغاليين الصليبيين الذين كانوا يناصبون المسلمين العداء الشديد, بل لهم طموحات صليبية غير مسبوقة، إذ كانوا يخططون لاحتلال المدينة ونبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم لمقايضته بالقدس، ومع علم إسماعيل الصفوي بمخطط البرتغاليين إلا إنه دخل في حلف معهم ضد العثمانيين. والرسائل المتبادلة بين إسماعيل الصفوي و«البوكرك» قائد الأساطيل البرتغالية مشهورة والتاريخ يحفظها كوصمة عار في تاريخ الصفويين عمومًا والشاه إسماعيل خصوصًا.



    في هذه الفترة اعتلى كرسي السلطنة في الدولة العثمانية رجل قوي شديد العزم والحزم هو السلطان «سليم الأول» والذي أظهر حتى قبل ولايته نيته لتصفية خصومه ولو كانوا إخوته، وقد رأى سليم الأول الخطر الصفوي وحليفه البرتغالي يحيق بالمدينة النبوية ومقدسات الإسلام ويهدد حدود الدولة العثمانية الشرقية، ورأى التوسع القسري للمذهب الشيعي يزحف على أرض العراق والأناضول، فقرر القيام بعمل قوي وحازم إزاء هذه التهديدات الخطيرة التي تحيق بالأمة الإسلامية.

    بدأت الحرب الكلامية بين سليم الأول وإسماعيل الصفوي على شكل رسائل خشنة تهديدية بين الرجلين، دعا فيها سليم الأول إسماعيل الصفوي للدين الصحيح ونبذ التشيع والكف عن إيذاء المسلمين وأهل السنة، وإسماعيل يتمادى في غيه ويهزأ بسليم الأول بأن أرسل إليه بهدية من الأفيون قائلاً: «أعتقد أنك تكتب خطاباتك تحت تأثير هذا المخدر» وهكذا.

    استعد السلطان سليم الأول لمعركة حاسمة مع الصفويين، فبدأ أولاً بحصر الشيعة الاثني عشرية الموالين للصفويين في شرق الدولة وأعدمهم جميعًا حتى لا يبقى للصفويين جواسيس بالمنطقة, ثم استدعى أحد أفراد أسرة «آق قويونلو» وهي الأسرة التي كانت تحكم إيران والعراق قبل ظهور الصفويين, وحثه على الاشتراك معه في القتال فوافق وانضم بجنوده.

    نقلت العيون لسليم الأول أن الشاه إسماعيل الصفوي ينوي تأخير القتال إلى فصل الشتاء حتى يهلك العثمانيين جوعًا وبردًا، وأن إسماعيل قد انسحب إلى داخل صحراء «ياسجمن» على حدود أذربيجان، فأرسل سليم الأول بجيوشه الجرارة قبل فصل الشتاء حتى وصل إلى صحراء «جالديران» واحتل الأماكن الهضبية, مما أمكنه من السيطرة على ميدان المعركة, وفي يوم 2 رجب 920هـ، انقض سليم الأول بجيوشه كالصاعقة على جيوش الصفويين فمزقها شر ممزق، وفر إسماعيل الصفوي من أرض المعركة كالفأر المذعور.



    واصل سليم الأول سيره حتى احتل تبريز عاصمة الصفويين وجعلها مركزًا لعملياته الحربية, ولكن سليم الأول اكتفى بانتصاره في جالديران, ويا ليته واصل قتاله حتى أسقط الدولة الصفوية التي ظلت قائمة كالورم الخبيث في المنطقة، ولكنه اضطر لذلك بسبب تمرد قادة الانكشارية الذين رفضوا القتال في البرد القارس.

    ولقد أسفرت هذه المعركة عن ضم شمالي العراق وديار بكر إلى الدولة العثمانية مع شيوع وسيطرة المذهب السني في آسيا الصغرى وانحصار المذهب الشيعي في إيران وحدها، ولقد كشفت هذه المعركة عن وجود علاقة وثيقة وتنسيق كامل بين الصفويين والبرتغاليين ألد أعداء الإسلام الذين تحركوا مستغلين انشغال العثمانيين بقتال الصفويين وأحكموا سيطرتهم على كافة الطرق القديمة بين المشرق والمغرب.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:54 pm

    معركة القصر الكبير
    [center]ملحمة القصر الكبير

    بقلم: أنور عبد العزيز الحمدوني
    [/center]
    في زمن كانت فيه الجيوش الصليبية تغير على الطرف الشرفي لدار الإسلام، فتحتل، وتنهب، وتشر، وفي زمن كانت فيه البرتغال، أقوى إمبراطورية في العالم، إلى جانب إسبانيا حيث تمتد رقعتها إلى مناطق شاسعة من العالم، في هذا الزمن حين بلغ الصليبيون قمة قوتهم، فكان لا بد –في نظرهم- من كسر شوكة الإسلام في جناحه الغربي.
    في سنة 981 هـ تولى ملك المغرب محمد المتوكل [1]، وبقي على العرش حوالي السنتين، إذ انقلب عليه أبو مروان عبد الملك السعدي، وأخوه أحمد (وهما من عائلة المتوكل) بمساعدة العثمانيين الذين كانوا على الحدود الشرقية للمغرب، في الجزائر. فما كان من المتوكل إلا أن فرّ إلى البرتغال طالباً من إمبراطورها دونْ سباستيان على أن يسلمه كل شواطئ المغرب على المحيط الأطلسي دون استثناء.
    هكذا وجد سباستيان فرصته الذهبية للقضاء على الإسلام في جناحه الغربي، وتنصير المسلمين فيه تطبيقاً لوصايا إيزابيلا الكاثوليكية. وبدأ الإمبراطور البرتغالي مشاوراته مع أباطرة أوروبا وملوكها، فاتصل أول الأمر بخاله فيليب الثاني عاهل إسبانيا، الذي سمح للمتطوعين من كل ممالكه بمرافقة سباستيان إلى المغرب للقتال في سبيل الصليب، وتحرك سباستيان بجيوش نظامية من ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والفاتيكان البابوية ومتطوعين من إنجلترا وفرنسا بالإضافة إلى جيوشه البرتغالية.
    وعلم عبد المالك ملك المغرب بالمخطط الذي يحاك ضد بلاده، فبعث رسالة إلى إمبراطور إسبانيا يدعوه إلى حسن الجوار وإقامة علاقات صداقة، كما بعث لسباستيان يؤنّبه فيها على العمل الذي ينوي الإقدام عليه، ويهدده بسوء المصير،ويدعوه في الوقت نفسه إلى الدخول في السلم، والشروع في المفاوضات، ومما جاء في الرسالة:
    »إنّ عزمك على محاربتي في عقر داري ظلم وعدوان، وأنت تعلم أني لا أضمر لك شراً، ولم أقم بحركة ضدك، فكيف تبيح لنفسك أن تسطو على حقوق وهبني الله إياها وتقدمها لشخص آخر هو محمد المتوكل، مقابل وعود (تسليم شواطئ الأطلسي)، لا يستطيع أن يفي لك بها ما دمت على قيد الحياة، وباستثناء العاصمة مراكش فإنني مستعد أن أتنازل لابن أخي (محمد المتوكل) على أي قضية، وإنك بإغرائك مغربياً على أخيه تقوم بعمل مشين لن يخدم سمعة البرتغال. إني أعلم أنك في طريقك لإبعادي عن مملكتي، ولكنك لا تعلم أنك بكل ما تملك وبما يوجد تحتك من ممالك لن تقدر على ذلك، ولا تظن أن الجبن هو الذي يملي علي ما أقول لك، فإن فعلتَ فإنك تعرض نفسك للهلاك، وإنني مستعد للتفاهم معك رأساً لرأس في المحل الذي تريده، وإنني أفعل كل هذا سعياً في عدم هلاكك المحقق عندي، ولا يملي علي هذه المشاعر إلا محبّتي للعدل، وإنني أقبل أن أتحاكم معك لدى محكمتك التي لا تستطيع ان تنتزع من أحد حقاً من حقوقه ظلماً وعدواناً لتعطيه لغيره، وإنني أقبل حكمها مسبقاً، وإنني أشهد الله على ما أقول، وأعلم أنك شاب لا تجربة لك، وأن في حاشيتك من يشير عليك بآراء فاشلة، لكن هيهات أن يمتنع الذي عزم«.
    بداية المعركة واستراتيجية عبد المالك في الحوار مع إمبراطور البرتغال..
    بدأت الحملة الصليبية في السابع من تموز (رمضان) 986 هـ، وانطلقت المراكب من ميناء قادس متوجهة صوب المغرب، حاملة جيوشاً صليبية هي أقوى جيوش العالم آنذاك عدداً وعدة.
    وصلت الجيوش إلى مدينة أصيلة فاحتلتها ونواحيها، وكان ملك المغرب عبد المالك في مراكش آنذاك، فبعث إلى سباستيان برسالة قال فيها: »إنني أعترف بشجاعتك وشهامتك يا سباسيتان، ودليلنا على ذلك هو هجومك على بلادنا الآمنة، إنني أنحي عليك باللوم لآنك انتهزت فرصة غيابي وهجمت على المدن والقرى الوديعة تفتك بالمدنيين والفلاحين العزّل، وهذا لم أكن أعهده فيك، والآن ففي إمكانك أن تنتظرني أياماً أقدم عليك«.
    وتأثر سباستيان بالرسالة بفعل الغرور، وكان هذا شيئاً هاماً ينم عن ذكاء عبد المالك، وذلك لكي لا تتوغل جيوش سباستيان في الآراضي المغربية، فيكسب سكانها الذي سيحاربون إلى جانبه بالإكراه.
    وسافر عبد المالك إلى مدينة القصر الكبير، فكتب مرة إخرى إلى سباستيان: »لقد قطعت أنا المراحل والمسافات الطويلة لمقابلتك، أفلا تتحرك أنت يا سباستيان لمقابلتي، لتبرهن علىشجاعتك وشدة مراسك؟« وكانت هذه أيضاً خطة ناجحة لإبعاد الجيوش الأوروبية عن مراكز التموين على البحر.
    الملحمة..
    وفعلاً تحركت الجيوش الأوروبية الصليبية مهاجمةً المغاربة الذي استدرجوا هذه الجيوش إلى سهل القصر الكبير في مكان استراتيجي بين وادي المخازن في الخلف ونهر لوكوس على اليمين ووادي وارور في الأمام.
    ثم كان الشطر الثاني من خطة المسلمين للمعركة، إذ هدموا جسر وادي الخازن لقطع خط الرجعة على الفلول الصليبية، وأخيراً كان الملتقى بعد فجر يوم الاثنين 30 جمادى الأولى سنة 986 هـ (4 آب/أغسطس 1578م). ويصف لنا المؤلف المغربي الأفراني المعركة في كتابه »نزهة الحادي في أخبار القرن الحادي« قائلاً: »نزل العدو علىوادي المخازن، وقطعه بجيوشه وعبر جسر الوادي، فأمر عبد المالك بالقنطرة أن تهدم، ووجه لها كتيبة من الخيل فهدموها، ثم زحف بجيوش المسلمين وخيل الله المسوّمة، فالتقت الفئتان، وحمي الوطيس، واسودّ الجو بنقع الغبار، ودخان مدافع البارود، إلى أن هبّت على المسلمين ريح النصر، فولّى المشركون الأدبار، وقُتِل الطاغية البرتغالي غريقاً في الوادي، ولم ينجُ من الروم إلا عدد نذر وشرذمة قليلة«.
    وصدق الله العظيم: )إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم( [محمد: 7]، صدق الذي أعزّ عبده، ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده. وسبحانه، ففي يوم واحد –في هذه المعركة- مات ثلاثة ملوك، الأول معتدٍ هو سباستيان، الذي قُتِل من جراء جرحين أصيب بهما في رأسه، وجرح آخر في ساعده، ثم غرق في الوادي، والثاني هو محمد المتوكل، غرق أيضاً فأخذوه وطافوا به في القصر الكبير، وفاس ومراكش، أما الأخير فهو أبو مروان عبد المالك، صعدت روحه إلى ربها راضية مرضية، بعد المرض الذي أصابه وهو يوجّه أوامره ويسيّر المعركة من داخل خيمته.[2]
    نتائج معركة القصر الكبير

    هل كانت معركة صليبية؟ لقد غيّرت معركة القصر الكبير مجرى مهماً في التاريخ، إذ فقدت البرتغال –مثلاً- استقلالها، وفقدت ممتلكاتها الواسعة في العالم وأوقفت الهجمات الصليبية الشرسة الأوروبية عموماً والبرتغالية خصوصاً على الخليج العربي. أما المغرب فقد جنى غنائم طائلة، وكسب سمعة عالية، حتى بدأت دول أوروبا نفسها تخطب ودّه، وهذا ما أوجد في نفس الأوروبيين عقدة حاصة، ذهبوا معها إلى أن المعركة لم تكن صليبية، ومن بين هؤلاء المؤرخ الفرنسي هنري تيراس الذي يقول: »إنها لم تكن من الصدمات الكبرى بين النصرانية والإسلام، بل كانت –حسب تواريخ البرتغال والمغاربة معاً- حادثاً عرَضياً بدون مقدمة ولا نتائج«.
    وهذا خطأ، وإلا كيف نفسر ما ترتبت على المعركة من نتائج لا يجهلها هذا المؤرخ نفسه؟ وكيف نفسر الاستعدادات طويلة الأمد، ومشاركة جيوش كثيرة من أوروبا بلغ تعدادها 35 ألف مقائل صليبي[3] عدا المتطوعين الذين يزيدون على عشرة آلاف، على متن ألفي مركب شراعي، في الوقت الذي كان فيه تعداد المسلمين 37 ألف مقاتل ضمنهم أربعة آلاف من الجيوش العثمانية التي تكوّن فرق المدفعية والبارود.
    ولعل من المفيد هنا أن أورد ما قاله كاستوني دوفوس[4] حول نظرة البرتغال إلى المعركة: »إن من المؤكد أن رجال البلاط في لشبونة كانوا ينظرون إلى تلك الحرب وكأنها رحلة من رحلات الساحة، وليس أدل على ذلك من أنهم كانوا يهيئون الصلبان لتعليقها على مساجد فاس ومراكش. وقد أبدى كثير من نساء الطبقة النبيلة رغبتهن في مصاحبة الجيش البرتغالي وكأنهن سيحضرن إلى ملعب لسباق الخيل، وكان الشاعر الكبير كاموانس، الذي اشتهر بكونه أنبغ الشعراء وأكثرهم قصائد في الحث على القضاء على المغاربة، على فراش الموت، وحيث لم يستطع ركوب البحر فإنه بعث مع الجنود أغنية مجّد فيها المحاربين الذي باركهم البابا، وصلى من أجل انتصارهم«.
    وأورد مؤرخون آخرون حالة الاستعداد التي كانت عليها أوروبا قبل المعركة، إذ ذهب الخبال ببعض المهندسين إلى درجة أنهم وضعوا تصميمات لتحويل قبة القرويين إلى مذبح كنائسي تعلّق فيه صورة العذراء.
    وهذا فقط يكفي للدلالة على أن معركة القصر الكبير كانت صداماً حاسماً بين الإسلام والنصرانية المزيفة، أي وبتعبير آخر: كانت معركة صليبية فاصلة في التاريخ.

    ابو يحيي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات: 2589
    تاريخ التسجيل: 09/10/2010
    الموقع: المدير العام

    default رد: أهم المعارك و الغزوات و الفتوحات الاسلامية

    مُساهمة من طرف ابو يحيي في الجمعة أكتوبر 15, 2010 4:56 pm

    [size=25]حرب القرم (1853-1856)

    حاولت روسيا السيطرة على الأقاليم التابعة للدولة العثمانية لاسيما البلقان مستغلة ضعف الدولة العثمانية، و فعرضت مشروعها التقسيمي على الدول الأوربية، متخذة من الدين ذريعة لإعلان الحرب على الدولة العثمانية، فروسيا كانت بحكم اعتناقها للمذهب الأرثوذكسي المسيحي تجد في نفسها وريثا للدولة البيزنطية، و كان قياصرتها يحلمون بذلك اليوم الذي يستطيعون فيه دخول القسطنطينية، التي تمكن العثمانيون سنة 1453 من فتحها، بينما كانت مصالحها الجغرافية و المادية و الاستراتيجية تقتضي منها ضرورة تحديد علاقاتها بالدولة التي تسيطر على المضايق و تحديدا مضيقي البوسفور و الدردنيل، إما عن طريق القضاء عليها، أو التغلغل في أوصالها لتحريك سياساتها، أو على الأقل ضمان حرية المرور لسفنها التجارية و الحربية في كل الأوقات بهذه الممرات، و إغلاقها أمام السفن المعادية روسيا([1] ).
    وروسيا تعد أكثر الدول الأوربية اهتماما و أطماعا في البلقان، فلقد كانت خلال الفترة التي أعقبت الحروب النابليونية معنية بزيادة حجم صادراتها من القمح الذي كانت تزرعه بكميات كبيرة، وكان ميناء " أوديسا " من أهم و اشهر الموانئ التي يصدر عن طريقها، ولما كانت ولايتا "ولاشيا" و "مولدافيا" العثمانيتان في البلقان تصدران كميات كبيرة منه أيضا بصورة مكنتهما من منافسة صادرات روسيا من أوديسا، فقد سعى القيصر الروسي "نيقولا الأول"([2])، إلى السيطرة على هاتين الولايتين، بهدف التحكم في إنتاجها بما يفيد روسيا، حتى يتسنى له التحكم في البلقان المتطلع إلى روسيا([3]).
    أما بالنسبة للسياسة الروسية تجاه الدولة العثمانية، فقد أضحى تدخل القيصر الروسي في شؤون الدولة العثمانية سياسة تقليدية لها، كخطوة أولى في سبيل تحقيق الأهداف الدائمة للسيطرة على المضايق (البوسفور و الدردنيل)، ومن ثم النفوذ إلى البحر المتوسط، والمياه الدافئة([4])، لذلك اتجهت سياستها خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر إلى العمل على إضعاف الدولة العثمانية، بمحاربتها و مساندة الشعوب البلقانية في ثوراتها التحررية ضد الدولة العثمانية، و انتزاع ما يمكن انتزاعه من ممتلكاتها، فعلى سبيل المثال حاولت روسيا في عشرينيات القرن التاسع عشر مساعدة اليونانيين الأرثوذكس في ثورتهم ضد الإمبراطورية العثمانية([5])، واعتقد القيصر الروسي في العام 1853 أن بامكانه طرح قضية إنهاء المسألة الشرقية بصورة جذرية، فعرض على السفير البريطاني في روسيا مشروعا لتقسيم الدولة العثمانية، تأخذ روسيا، بموجبه المضايق و تحتل الآستانة مؤقتا، أما الولايات العثمانية في أوربا فتتحد في دولة مستقلة، مقابل ذلك تأخذ بريطانيا، مصر و رودس و قبرص([6])، لكن بريطانيا رفضت ذلك المشروع.
    وفيما يتعلق بحقيقة البعد الديني للصراع الروسي العثماني، فقد ظهرت قضية الأماكن المقدسة في فلسطين، و هي قضية كانت تثير عواطف جدية، و كان جوهر المشكلة يكمن في إدارة أماكن الحج في القدس، لا سيما كنيسة الميلاد في بيت لحم، في وقت حاولت الحكومة العثمانية حفظ التوازن بين المزاعم المتناقضة للكاثوليك من ناحية، والأرثوذكس من ناحية أخرى، لكن روسيا استغلت ما عرف باسم "أزمة البقاع المسيحية في فلسطين" للتحرش بالدولة العثمانية، و ترجع أصول هذه الأزمة إلى نهاية الحروب الصليبية حين أصبحت الأماكن المقدسة و ما حولها ملكا مشتركا للطوائف المسيحية جميعا، فقد كانت الكنيسة الأرثوذكسية أقوى الكنائس المسيحية داخل الدولة العثمانية باعتبارها ممثلة لأكثر من ثلاثة عشر مليون من رعايا السلطان، الذين ادعت روسيا حمايتها لهم، وفي الوقت نفسه ادعت فرنسا حمايتها للكاثوليك؛ ذلك على الرغم من أن المعاهدات التي عقدت مع الدولة العثمانية لم تنص صراحة على مثل هذه الحماية، فان الدولتين حاولتا تأكيد نفوذها على رعايا السلطان غير المسلمين عن طريق توفير حماية خاصة لكل منهما، في نفس الوقت الذي ركزت فيه مختلف الديانات و المذاهب المسيحية تنافسها في فلسطين على الطموح إلى السيطرة على كل عمل يتصل بالبقاع المسيحية المقدسة([7]).
    حصل بطريرك الأرثوذكس في القدس عام 1843 على موافقة السلطات العثمانية على انفصاله عن بطريرك الآستانة، و أخذ يقوي سلطته بمساعدة القيصر و دعمه، وعلى الجانب الفرنسي قامت الحكومة الفرنسية بمساعدة الكاثوليك و طالبت بامتيازات جديدة عام 1850، فاشتد الاحتكاك بين روسيا و فرنسا، حيث حاولت كل منهما الضغط على السلطان الذي سعى إلى الالتزام بالحياد و عدم إغضاب أي من الطرفين، و على الرغم من تهديد روسيا للسلطان بقطع علاقتها الدبلوماسية معه إذا ما استسلم للضغط الفرنسي، فقد قرر السلطان في العام 1852 إعطاء بعض الامتيازات لرجال الدين الكاثوليك، أهمها تسليمهم المفاتيح الثلاثة الخاصة بالأبواب الرئيسية لكنيسة العذراء و السراديب الكائنة تحت كنيسة المهد في بيت لحم، فأدى هذا العمل بدوره إلى استياء روسيا قيصرا و شعبا، لذا أرسل القيصر مبعوثا للتفاوض مع الباب العالي بشان توطيد مركز روسيا في البقاع المسيحية المقدسة، و في الوقت نفسه حاولت كسب ود بريطانيا بتكرار عروضه السابقة الخاصة بتقسيم أملاك "الرجل المريض" و ذلك في محاولة منه لعزل فرنسا([8]). اعتقدت روسيا أن تزايد نفوذ فرنسا في الدولة العثمانية و في أوروبا يعد بمثابة دعم للاتجاهات التحريرية و الثورية في بريطانيا و ألمانيا([9]).
    أثارت مسألة حيازة مفاتيح كنيسة بيت لحم العواطف، ثم انتهى هذا النزاع التافه في سنة 1852 بالتسوية التي و ضعتها الحكومة العثمانية وأثارت غضب روسيا، التي اعتقدت أن تزايد النفوذ الفرنسي في الدولة العثمانية و أوروبا يعد بمثابة دعم و تأييد للاتجاهات التحررية و الثورية في كل من بريطانية و ألمانيا، و من اجل ذلك قرر القيصر نيقولا الأول الذي سحق دون رحمة ثورة بولندا، و ساعد النمسا سنة 1848 م في القضاء على ثورة المجر، قرر إرسال بعثة إلى استنبول من أجل التفاوض مع السلطان العثماني للحصول امتيازات للرعايا الأرثوذكس([10]).
    ترأس البعثة التي أرسلتها روسيا إلى استنبول "منشكوف"، بصفته سفيرا غير عادي للتفاوض في قضية الأماكن المقدسة، وذهبت هذه البعثة في ظروف كان القيصر فيها يعتقد خطأ أن بريطانيا لن تعترض سبيل اقتسام أملاك الدولة العثمانية([11])، و على الرغم من أن البعثة تظاهرت بان غرضها هو البحث في قضية الأماكن المقدسة، إلا أنه في الحقيقة لم يكن القصد من إرسالها إلا إيجاد أسباب الشقاق للتوصل إلى إعلان الحرب بحجة مقبولة لدى الدول الأوربية، فسافر هذا المبعوث من سان بطرسبورج في 10 فبراير 1853، مارا بأقاليم روسيا الجنوبية، قاصدا الأستانة و أخذ يراقب تجمع الجيوش بقرب التخوم العثمانية، و يستعرضها باحتفال زائد و ذلك لزيادة الإيهام و التأثير على أفكار رجال الدولة و عظمائها([12])، كما أن روسيا استهدفت أيضا من إرسال هذه البعثة انتزاع معاهدة جديدة لا تقل أهميتها عن معاهدة "اونكيار سكلسي"([13]).
    وصل المبعوث الروسي إلى الأستانة في 9 مارس 1853 على متن سفينة حربية و معه عدد كبير من الدبلوماسيين و العسكريين الروس، لاعتقاد القيصر الروسي أن ضخامة الوفد المفاوض سيحدث أثرا عميقا في نفوس العثمانيين، و بيّن منشكوف انه ليس للقيصر مطامع شخصية في الدولة العثمانية، و إنما يهدف إلى تحقيق مطالب رعاياه في فرض حماية روسيا على رعايا السلطان الأرثوذكس([14])، أي أن البعثة حاولت التظاهر بالبحث عن السلم، مع أن الغرض الحقيقي منها هو تهديد السلطان العثماني، لكي لا يستجيب لمطالب فرنسا، وبهذا تلخصت مهمة منشكوف، الذي لم يتصف بالكياسة و اللياقة في انتزاع فرمان من الباب العالي لإرجاع الحالة في الأراضي المقدسة إلى ما كانت عليه قبل شباط (فبراير) 1852، والحصول على فرمان آخر أو أشد بتأكيد حقوق الرعايا الأرثوذكس و حماية روسيا لهم، و في حالة اعتراض فرنسا أو تهديدها للباب العالي يعقد منشكوف مع الدولة العثمانية معاهدة دفاعية سرية.
    لقد أفرزت المفاوضات أن منشكوف كان رجلا متكبرا متغطرسا، يرمي قبل كل شيء إلى إذلال وزراء السلطان، لذا وجد من مهمته العمل على طرد فؤاد أفندي من منصب وزير الخارجي العثماني، و هو ما يعني امتهانا واضحا للسلطان و الوزراء و للحكومة العثمانية، فضلا عن امتعاض بريطانيا و فرنسا، اللتان اعتبرتا ذلك صدمة عنيفة للسياسة الغربية و دليلا على أن الباب العالي منحرف إلى جانب الروس، و أن مهمة منشكوف سوف تنتهي بفوز يفوق الفوز الذي سجله أدولف في مفاوضاته في اونكيار سكلسي عام 1833([15]).
    طلب اللورد كلاوندون، وزير خارجية بريطانيا، من الدبلوماسي الخطير (السير ستراتفورد دي رد كليفSirstrattford de red Cliffe )([16])، أن يقطع إجازته في لندن و يعود فورا إلى مقر عمله من أجل إحباط المفاوضات الروسية العثمانية بكل وسيلة ومهما كلفه الأمر، وعلى الجانب الآخر طلبت الحكومة الفرنسية من قائد أسطولها في البحر المتوسط أن يرسل بعض وحداته إلى المياه العثمانية، و نشطت الحكومتان لعزل روسيا بعد تأكدهما أن الهدف الحقيقي لمهمة منشكوف هو تحويل قضية الأماكن المقدسة من خلاف مذهبي بين الكاثوليك و الأرثوذكس إلى أزمة سياسية تستفيد منها الحكومة الروسية، و ذلك أما بالقضاء على الإمبراطورية العثمانية، أو على الأقل كسب امتيازات جديدة داخل الدولة العثمانية([17]).

    و بينما كانت الحكومتان الفرنسية و البريطانية تتشاوران في الأمر، كان منشكوف، الذي زاده انتصاره على فؤاد أفندي غطرسة و استكبارا، يجمع حوله مساعديه و رجال السفارة و يتدارس معهم نصوص مذكراته إلى الباب العالي، و في 16 آذار(مارس) سلم منشكوف السلطان العثماني مذكرة، و اتبعها بأخرى في 22 من الشهر نفسه، طلب فيهما و بإلحاح شديد إنهاء مسالة الأراضي المقدسة، بحيث يضمن استمرار حقوق الأرثوذكس و يضع حدا لتعديات الرهبان، وسحب مفتاح كنيسة بيت لحم منهم، ووضع قبر السيدة العذراء في ذمة الروم وحدهم وإعطاء حرية ترميم قبة كنيسة القيامة، وفي تلك الأثناء قام السفير البريطاني في الآستانة بتشجيع الوزراء العثمانيين على الوقوف في وجه المطامع الروسية مؤكدا لهم إن بريطانيا لن تتركهم وحدهم، و شرحت الحكومة البريطانية لفرنسا في الوقت نفسه حقيقة أهداف البعثة الروسية، واقتنعت فرنسا بوجهة النظر البريطانية و بضرورة التساهل في مشكلة بيت المقدس و بيت لحم، لتضيع على الروس كل حجة للانتقال بالموضوع من خلاف مذهبي إلى مشكلة سياسية، و بناء على رغبة الحكومة البريطانية، وعملا بنصيحتها قبلت حكومة الباب العالي القسم الأكبر من المطالب الروسية الواردة في المذكرتين الروسيتين المذكورتين، وأصدر السلطان في 4 أيار (مايو) 1853 فرمانا جديدا يحل الأزمة على الوجه الذي أراده مبعوث الحكومة الروسية، بعد أن وافق سفير بريطانيا و فرنسا في الآستانة على ما ورد في الفرمان اعتقادا منهما أن ذلك سيفتح الباب في القريب لمطالب جديدة يتقدم بها منشكوف، فيكشف عن حقيقة مهمته و خفايا السياسة الروسية في الإمبراطورية العثمانية([18]).

    و فعلا جاءت التطورات مؤيدة لوجهة نظر بريطانيا، فبعد أن وافقت الحكومة العثمانية على مطالب منشكوف، قدم إلى الباب العالي مذكرة جديدة طلب فيها ضرورة إعلان استقلال الجبل الأسود، و عزل وزير الصرب الذي كانت روسيا تعتبره خصما لسياستها، و بعد مناقشة هذه المذكرة الجديدة مع سفير بريطانيا في الآستانة كتب الباب العالي إلى منشكوف يقول له، أن ما طلبه اعتداء على حقوق السلطان و تدخلا صريحا في شؤون الدولة العثمانية، و خروجا عن مهمته التي انتهت بصدور فرمان في 4 أيار، كما اخبره فيه بان الباب العالي لن يقوم على أي تغيير للأوضاع الراهنة في البلقان، إلا بعد أخذ رأي الدول الأوربية الأخرى و موافقتها، فشكل هذا الرد صدمة لمنشكوف الذي أرسل بدوره إلى الباب العالي مشروع معاهدة في 5 أيار 1853 م على غرار معاهدة اونكيار سكلسي، و أرفقه بمذكرة تحمل صفة الإنذار، أكد فيها انه لا يعتبر فرمان 4 أيار كافيا، و طلب الاعتراف لروسيا بحق الأرثوذكس في حماية مطلقة غير مقيدة، و أعطى الحكومة العثمانية مهلة للرد على مذكرته تنتهي في10 أيار، يكون بعدها القيصر الروسي حرا في التصرف كما يشاء لتامين المصالح الروسية، و اعتمد السلطان العثماني على رفض كل من بريطانيا و فرنسا، للموافقة على الطلب الروسي، و في النهاية اخبر الديوان منشكوف قبل نهاية مدة الإنذار، أنه لا يعتقد أن السلطان مستعدا لتوقيع أي معاهدة تنال من استقلاله، و تحد من سلطته الشرعية على رعاياه، أما الروم الأرثوذكس فأكد أنهم يتمتعون في ظل السلطان بحرياتهم كاملة، و خاطبه بما نصه: "و إذا أردت دليلا على هذا فان التظاهرات الواسعة التي قام بها الأرثوذكس احتفاء بك يوم وصولك إلى الآستانة، بدون أن تمس حريتهم بأقل مساس أوضح الأدلة"([19]).
    حدد الديوان لمنشكوف الثالث عشر من أيار، أي بعد انقضاء المهلة بثلاثة أيام موعدا لمقابلة السلطان و تسلم الرد على مذكرته، و في ذلك اليوم توفيت والدة السلطان، فطلب الديوان من منشكوف تأجيل المقابلة إلى يوم آخر، و لكنه أصر على المقابلة في موعدها، فاستاء السلطان كثيرا و أصدر في الحال أمر بإقالة الوزراء جميعا، و إسناد الصدارة العظمى إلى رشيد باشا و أدخل في الوزارة أشد الساسة العثمانيين عداء لروسيا، و في 17 أيار، بلغ منشكوف قرارا من مجلس الوزراء الجديد، و هيئة العلماء برفض المطالب الروسية، ورد إنذار 5 أيار 1853([20])، و بهذا قطع السفير الروسي العلاقات مع الباب العالي، و غادر الآستانة على متن إحدى المراكب الروسية في 18 أيار مهددا الدولة العثمانية باحتلال الجنود الروسي لإمارتي "الأفلاق و البغدان".
    و بذلك فشلت المفاوضات الروسية العثمانية، و تقدمت القوات الروسية لاحتلال ولايتي الدانوب. لتبدأ من هنا حرب القرم، التي شغلت مكانا فريدا في تاريخ أوروبا خلال القرن التاسع عشر، و في الحقيقة تعد آخر حرب دارت على نطاق واسع دون الاعتماد فيها على إمكانات العلم الحديثة، إذ اشتركت فيها دول أوروبية إلى جانب الدولة العثمانية كان لها أهدافا و مطامع جعلتها تقف في صف العثمانيين ضد روسيا، معلنة رفضها أي مشروع لتقسيم الدولة العثمانية بين الدول الأوروبية.
    فبعد فشل المفاوضات الروسية العثمانية و رفض السلطان العثماني للمطالب الروسية المتعلقة بإعلان الحماية على الأرثوذكس من رعايا الدولة العثمانية الذين يزيد عددهم على عشرة ملايين نسمة، أعلنت روسيا الحرب ضد الدولة العثمانية عام 1853([21])، فعبرت القوات الروسية نهر بروت الفاصل بين أملاك الدولتين و احتلت ولايتي الدانوب (رومانيا فيما بعد) في الثالث من يوليو 1853 التابعتين للسلطان العثماني من الناحية الاسمية، بحجة أن ذلك تدبير وقائي، أعقب ذلك نشاط دبلوماسي أوروبي للحيلولة دون حدوث حرب أوروبية([22])، فوجه السلطان العثماني إنذارا إلى روسيا بضرورة إخلاء الولايتين، و إلا فإنه يضطر لإعلان الحرب عليها، في وقت دعمت بريطانيا و فرنسا الموقف العثماني و تقدمت الجيوش العثمانية بقيادة عمر باشا([23])، الذي تمكن من تحقيق انتصارات هامة على الجيش الروسي، عندما طرده إلى مناطق ما وراء الدانوب و انتصر عليه في القفقاس([24])، كما وصل الأسطولان الفرنسي و البريطاني إلى مضيق البوسفور للتدخل إلى جانب الدولة العثمانية، فهاجم الأسطول الروسي ميناء سينوب العثماني على البحر الأسود، و دمر السفن العثمانية المتواجدة فيه بعد معركة شرسة في تشرين الثاني 1853، و على الرغم من انضمام بريطانيا و فرنسا إلى جانب الدولة العثمانية فان روسيا لم تتراجع عن موقفها، مما اضطر الطرفين إلى إعلان الحرب ضدها([25]).
    اختلفت مواقف الدول الأوروبية تجاه النزاع الروسي العثماني، فتدخلت بريطانيا و فرنسا إلى جانب الدولة العثمانية في هذه الحرب، بسبب أن لكل من الدولتين أهداف تريدان تحقيقها عن طريق الاشتراك بهذه الحرب، أي أن التدخل البريطاني الفرنسي ضد روسيا لم يكن حبا في الدولة العثمانية و للمحافظة على أملاكها، إنما كان الطرفان يريدان الإبقاء على الدولة العثمانية ضعيفة حتى يسهل الانقضاض عليها فريسة سهلة، ففي أعقاب الحروب النابليونية نشطت حركة الاختراعات في مجالات النقل البري و البحري على سكك حديدية بين أوروبا و الشرق الأقصى، و أخذت بريطانيا تفكر في مد خط ملاحي في انهار العراق، أو مد خط حديدي بين الإسكندرونة و الموصل و بغداد و البصرة، بغرض تامين الاتصال السريع بالشرق الأقصى، و كانت ترى ضرورة منع روسيا من الوصول إلى منطقة الشرق الأدنى، بينما كانت وجهة النظر الروسية مختلفة تماما، و هي ضرورة حصولها على القسطنطينية، مقابل قيام بريطانيا بمثل هذه المشروعات في العراق و مصر لتتوازن معها، في وقت كان مفهوم التوازن الدولي عند بريطانيا، يتلخص بسياسة الدفاع عن كيان الدولة العثمانية لمنع روسيا من الوصول إلى المضايق([26])، وظل هذا الموقف البريطاني ثابتا ومعروفا منذ بروز روسيا قوة كبرى مناوئة للدولة العثمانية و مزاحمة لبريطانيا في مناطق نفوذها في البحر المتوسط والهند وفارس. لقد كانت بريطانيا تريد الإبقاء على الدولة العثمانية و تريد المحافظة على سلامتها ضمانا لمصالح كثيرة، فضلا عن حرصها على استمرار السلم الأوروبي، و عدم الإخلال بتوازن القوة في أوروبا([27])، كما استهدفت حماية طريق الهند، عن طريق إبقاء الدولة العثمانية كحاجز لمواجهة التوسع الروسي وعرقلته، لهذا اتجهت إلى إتباع سياسة تتلخص في الدفاع عن الدولة العثمانية، و مساندة حركة الإصلاحات فيها([28]). ولكن بإبقائها ضعيفة لأن من شان ذلك في المنظور البريطاني، جعل ميزان القوى الدولية في صالح بريطانيا، وأن توسع أي دولة أوروبية على حساب الدولة العثمانية أو أملاكها، يقلب ميزان القوى، و هناك سبب آخر جعل بريطانيا تحاول الإبقاء عليها ضعيفة، أنها كانت تريد أن تنقض عليها فريسة سهلة في الوقت المناسب، و تحصل على النصيب الأكبر منها بما يؤمن مصالحها الاستعمارية، فأخذت بريطانيا تزحف على الخليج العربي منذ أن وضعت أقدامها في الهند، فمنذ أواخر القرن الثامن عشر ظهر اهتمام بريطانيا بصداقة الدول العثمانية، و رأت أن مصالحها الاستعمارية و التجارية و الاستراتيجية تفرض عليها أن تعارض كل تقسيم للدولة العثمانية أو الاعتداء على أرضها، من هذا نفهم سبب رفضها استيلاء فرنسا على مصر و الذي وجدت فيه خطرا يهدد مصالحها في الشرق، لذلك تحالفت مع الدولة العثمانية لإخراج الفرنسيين، و أخذت مذ ذاك تلعب دورا هاما في المسالة الشرقية([29])، و تطبيقا لذلك وقفت أيضا إلى جانب العثمانيين ضد محمد علي عام 1840 كي لا يقيم قوة عربية جديدة في الشرق.

    أما فرنسا فقد ربطتها بالدولة العثمانية علاقات ودية منذ أن قام السلطان العثماني بإعطاء الرعايا الفرنسيين امتيازات داخل الدولة العثمانية، و من بينها الإعفاء من الضرائب و منح الحكومة الفرنسية بعض الحقوق في الأماكن المقدسة في فلسطين، الأمر الذي انعكس سلبا على روسيا، فسعت للحصول على امتيازات مماثلة للامتيازات التي حصل عليها الرعايا الفرنسيين([30])، لكن موقف فرنسا تجاه النزاع الروسي العثماني اختلف عن الموقف البريطاني بسبب اختلاف المصالح الفرنسية، فقد كان الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث([31])، يعتبر بلده طرفا رئيسيا في هذا النزاع، كونه يتطلع إلى كسب تأييد الحزب الكاثوليكي في فرنسا وبذا يستهدف من دخوله السيطرة على الأماكن المقدسة، و يسعى لتحقيق بعض الانتصارات الخارجية من أجل إخراج فرنسا من عزلتها بعد مؤتمر فيينا عام 1815، و تمزيق التسوية التي أفقدتها حدودها الطبيعية([32])، كما كانت فرنسا تهدف من تدخلها إلى جانب الدولة العثمانية، حرمان روسيا من نفوذها في البلقان، بعد هزيمتها أمام الدولة العثمانية، و منع مرابطة السفن الحربية الروسية في البحر الأسود، و عودة ولايتي الأفلاق و البغدان للسيطرة العثمانية([33]).
    لكن المنافسة الدولية و الأطماع الاستعمارية أدت إلى تذبذب السياسة الفرنسية إزاء الدولة العثمانية فوقفت بجانبها في بعض المواقف، ووقف ضدها في مواقف أخرى، فعندما استؤنف القتال بين فرنسا و الدول الأوروبية سنة 1803 أغرى نابليون بالانضمام إليه، و إعلان الحرب على أعدائه عام 1806، ثم تخلى عنها، كما أن فرنسا ساندت الثورة اليونانية (1821_1830) ضد الدولة العثمانية، كما ساندت محمد علي في حركته الانفصالية عن الدولة العثمانية (1830_1840)، فضلا عن أنها تحالفت مع الدولة العثمانية في حرب القرم ضد روسيا، في نفس الوقت الذي كانت تتطلع للاستيلاء على المغرب العربي الخاضع للعثمانيين، فدبرت مؤامرة الجزائر 1830([34]).
    وهكذا أجبرت المصالح الدول الأوربية على الاصطفاف في هذه الحرب كل في المكان الذي يرى أنه يحقق مصالحه، بدا الحلفاء هجومهم على شبه جزيرة القرم، و حدثت معركة سيواستوبول بعد أن انضمت بريطانيا و فرنسا إلى جانب الدولة العثمانية، و ذلك في 6 شباط (فبراير) 1854، بهدف القضاء على قوة روسيا في البحر الأسود، بعد أن جلت روسيا عن ولايتي الدانوب نتيجة لضغوط النمسا و تهديداتها، و على الرغم من احتلال النمسا للولايتين، فان بريطانيا و فرنسا نقلتا الحرب إلى شبه جزيرة القرم، باتجاه ميناء سيواستوبول، القاعدة البحرية الروسية في شبه الجزيرة؛ فقام الحلفاء بحصار الميناء مدة عام كامل لاقوا خلاله مصاعب كبيرة، بسبب برودة الجو فضلا عن تفشي وباء الكوليرا بين الحلفاء خلال المراحل الأولى للحرب، و كلف احتلال سيواستوبول أكثر من خمسة وعشرين ألف قتيل من جميع الأطراف، و من بينهم قادة كبار من الطرفين([35])، و بعد سلسلة من المعارك بين الطرفين سقط ميناء سيواستوبول في 9 أيلول 1855، و انهزم الروس، و لكن كفة روسيا في جبهة القفقاس رجحت بعد أن استولوا على مدينة قارص، و بذلك تم وضع نهاية للحرب([36]).
    بعد سقوط ميناء سيواستوبول بمدة قصيرة، توفي القيصر الروسي نيقولا الأول، و خلفه في الحكم الاسكندر الثاني([37])، الذي عرف بتركيزه الاهتمام على أمور روسيا الداخلية، و لما شعر بان متابعة الحرب أصبح أمرا صعبا، في ظل الأزمة المالية التي تعانيها روسيا، و خسائر الأسطول الروسي، فضلا عن الهزائم التي حلت بجيشه في الحرب، فجنح إلى السلم([38])، و أمام شعور النمساويين بان نهاية الحرب باتت وشيكة، أرسلت النمسا أوائل عام 1856 إنذارا إلى روسيا، فأجابت روسيا بالقبول، ولم تعد هناك ضرورة لاستمرار الحرب([39])، وتم الاتفاق بين النمسا و بريطانيا و فرنسا بعد مداولات مستفيضة على شروط الصلح التي كانت قد قدمتها النمسا إلى روسيا، منذ كانون أول 1855 بصورة إنذار للانضمام إلى الحلفاء في حالة رفضها([40])، و على أثر الموافقة الروسية تم عقد مؤتمر الصلح في باريس في 30 آذار 1856.
    أن تمكن الفرنسيين و الإنكليز من تحقيق هدفهم في تحطيم الأسطول الروسي، كان من أهم الأسباب التي أدت إلى عقد الصلح، لأنه يكون في مقدور روسيا القيام في حوض البحر المتوسط، و تم تثبيت السيطرة البحرية الكاملة للحلفاء في البحر الأسود، فاكتفى الحلفاء بهذا النصر ورفضوا التقدم وراء سيواستوبول، كما أن السبب الآخر هو اختلاف وجهات النظر الفرنسية عن البريطانية من حيث استمرار الحرب، لأن نابليون الثالث أصرّ على وقف هذه الحرب، الأمر الذي أرغم حلفائه على وقفها، مع أنهم كانوا يريدون الاستمرار فيها بغية إذلال روسيا تماما، و من ثم يتم القضاء على دورها في السياسة الأوروبية، في وقت أصبح بوسع الرأي العام الأوروبي متابعة سير العمليات الحربية خطوة خطوة بفضل المراسلين العسكريين و الصور الفوتوغرافية، و التي بدأت بالظهور في الصحف([41]).
    تضمنت معاهدة باريس عدة نقاط هامة، أهمها حرية الملاحة في نهر الدانوب، و تشكيل لجنة دولية للإشراف على ذلك، و الاعتراف بالسيادة العثمانية على المضايق، و إعلان حياد البحر الأسود، على أن كل من ولايتي الأفلاق و البغدان باستقلال ذاتي ضمن الدولة العثمانية، وأن يحترم استقلال الدولة العثمانية، وعدم التدخل في شؤونها مقابل أن تتعهد بتحسين أحوال الرعايا المسيحيين في البلقان([42])، كما تضمنت اعتراف السلطان بالمساواة التامة بين رعاياه على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، أي أنه لا يحق لأي دولة أجنبية التدخل في شؤون رعايا السلطان([43]). و من البنود الأخرى التي تضمنتها المعاهدة قبول مبدأ التحكيم في حالة وقوع خلاف بين الدولة العثمانية وغيرها من الدول، و حرية الملاحة في نهر الطونة، وإعادة سيواستوبول إلى روسيا، مقابل أن تكون قارص للدولة العثمانية([44])، ومن ثم تسترجع ولايتي الدانوب وضعهما (الاستقلال الذاتي) تحت سيادة السلطان العثماني، بشرط بقائهما تحت الضمانة المشتركة للدول الكبرى التي وعدت بعدم التدخل في شؤونها في المستقبل، فضلا عن محافظة صربيا على استقلالها الذاتي تحت سيادة السلطان، ووفق الضمان المشترك من جانب الدول، و احتفظ العثمانيون بحق وضع حاميات في الأراضي الصربية، كما وعدت الدول بالتوسط لحل أي خلاف عثماني صربي([45]).
    فيما كانت المفاوضات جارية من اجل عقد الصلح بين روسيا و الدولة العثمانية، كان السلطان العثماني عبد الحميد يعد وثيقة جديدة للإصلاح عرفت باسم "خط همايون"، صدر هذا الخط قبل أسبوع من عقد مؤتمر باريس 1856، أي في يوم 18 شباط 1856، و اتخذت الدولة العثمانية وفقا لمضمون هذا الخط خطوات إصلاحية إيجابية لخير رعاياها، فأقر السلطان كافة المبادئ التي وردت في خط شريف كولخانة 1839، والتي يتعلق أكثرها بحقوق الطوائف غير الإسلامية و مصالحها، إذ تضمن الخط بصفة خاصة بالتأكيد على مبدأ المساواة القانونية و المدنية لكافة رعايا الدولة و حقوقهم في خدمتها([46]).
    لقد كان الخط الهمايوني أدق بكثير و أكثر تفصيلا من خط شريف كولخانة 1839، فهو يضمن للطوائف غير المسلمة احترام حصانتها التقليدية و حرية العبادة، و ممارسة شعائرها الدينية و بناء معابدها بشروط يتوافر فيها التسامح([47]). كما أكد الخط الهمايوني على المساواة في المعاملة بين جميع الطوائف ومنع استعمال الألفاظ التي تحط من قيمة غير المسلمين، و تأمين الحرية الدينية لأهل كل المذاهب، و إفساح المجال أمام كافة رعايا السلطان للمساهمة في خدمة الدولة و ذلك عن طريق تعيينهم في الوظائف واستفادتهم من خدمات الدولة التعليمية، بالإضافة إلى إنشاء محاكم مختلفة للفصل في القضايا المدنية و الجنائية، وأما الدعاوى الخاصة بالأحوال الشخصية و الإرث فتحال إلى المحاكم الشرعية بالنسبة للمسلمين، و إلى المحاكم الطائفية بالنسب لغير المسلمين([48])، والمساواة بين جميع رعايا الدولة في الحقوق و الواجبات، لا سيما في مجال الخدمة العسكرية، فأصبح الجميع يخضعون لقانون التجنيد العسكري، و تم إعادة تنظيم الهياكل الإدارية، كما أصبح جميع رعايا الإمبراطورية متساوين فيما يتعلق بالضرائب، و القضاء، و كذلك الالتحاق بمدارس واحدة([49]).
    و على الرغم من أن الخط الهمايوني جاء نتيجة للضغط الخارجي، على عكس خط شريف كولخانة، فقد تشابه الخطان في كثير من النقاط، فكلاهما صدر بمرسوم سلطاني جاد اللهجة، وتكررت في الخط الهمايوني الضمانات التي أعلنت في عام 1839، و أن كانت هناك بعض الاختلافات، فخط 1856 م كان أكثر دقة في تحديد التغييرات الواجب إجراؤها، و لم يظهر فيه انقسام الشخصية الذي اتضح في الخط السابق، كما أن صيغته كانت أكثر عصرية، و أكثر اقتباسا عن الغرب بصورة لم تعهد من قبل في الوثائق العثمانية، و ذلك لأنه لم يستشهد بآية قرآنية واحدة أو بقوانين الإمبراطورية القديمة وأمجادها، وكان ذلك أمرا خطيرا من الناحية النفسية، و أن لم يكن المرسوم برمته يتطلع إلى الأمام أكثر مما يستوحي الماضي، و لقد أكد المرسوم من جديد على تطبيق الخدمة العسكرية على المسلمين وغير المسلمين، كما نص على المحافظة على الحقوق والامتيازات التي تمتع بها رؤساء الملل الإسلامية، و تمتع كل ملل الإمبراطورية بمواطنة عثمانية عامة، ووعد السلطان بإيجاد نظام ضريبي أكثر عدالة، كما وعد بتبويب القانون الجنائي والتجاري، وإصلاح نظام السجون، وإنشاء محاكم مختلطة في القضايا الخاصة بالمسلمين وغير المسلمين([50]).
    وهكذا أكد الخط الهمايوني بشكل خاص على المساواة المدنية والاجتماعية لجميع رعايا الدولة، واعترف بمساواتهم في خدمة الحكومة، ولكن مبدأ المساواة لم يطبق تماما؛ فقد ظلت الخدمة العسكرية محصورة بالمسلمين وحدهم، كما ظلت الوظائف الإدارية والقضائية شبه محصورة بالمسلمين، وظلت الدول الأوروبية تدّعي حماية الطوائف المسيحية، ففرنسا تدّعي حماية الكاثوليك، وروسيا تعتبر نفسها حامية للأرثوذكس، وبريطانيا تعد نفسها حامية البروتستانت([51]). وكان من أهم أهداف خط شريف كولخانة استثارة عطف الدول الكبرى على الدولة العثمانية، وكذلك استهداف الخط مساندة الأوروبيين للدولة ضد روسيا التي ما لبثت أن وافقت على شروط النمسا والتي بني عليها صلح باريس عام 1856 الموقع عليه من قبل الدول الكبرى، و مملكة بيدمونت و الدولة العثمانية([52]).
    نستنتج أن حرب القرم التي دارت بين روسيا من جهة وبين الدولة العثمانية وحلفائها من جهة أخرى، بدأت عندما أخذت روسيا كعادتها في إثارة المشاكل ضد الدولة العثمانية و اتخذت من الدين ذريعة لإعلان الحرب ضدها، حيث رغب كل من القيصر نيقولا الأول و الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث في الظهور بمظهر حامي المسيحيين في بيت المقدس و ما حولها، فالقيصر نيقولا يدعى حمايته لطائفة الأرثوذكس، ونابليون الثالث يطالب بالمزيد من الامتيازات للمسيحيين هناك من رعايا الكنيسة الكاثوليكية، واشتد التنافس بين روسيا و فرنسا من ناحية، والدولة العثمانية من ناحية أخرى، وحدثت حرب القرم في شبه جزيرة القرم، و كان من أهم المعارك التي خاضتها الدولة العثمانية ضد روسيا معركة سيواستوبول في 9 أيلول 1855، و كلف احتلالها أكثر من 25 ألف قتيل من جميع الأطراف، ثم وضعت نهاية لحرب القرم بعقد مؤتمر باريس سنة 1856 م .
    بينت حرب القرم ما كانت عليه روسيا من ضعف، فقد كانت الدول تظن أن روسيا أقوى بكثير من حقيقتها، و لم يعد لها بعد حرب القرم قيمة كبيرة في مسائل أوروبا. كما كان لحرب القرم انعكاسات هامة داخل الدولة العثمانية، حيث تم إصدار مجموعة من الإصلاحات و التنظيمات من بينها الخط الهمايوني، أما على الصعيد العالمي فقد كان لهذه الحرب انعكاسات هامة على الدول الأوروبية فمن بين ابرز هذه الانعكاسات أنها حطمت التحالف الروسي النمساوي، و بذلك أصبح بمقدور الشعوب التواقة للتحرر و الاستقلال تحقيق أهدافها، و خاصة ألمانيا وإيطاليا، حيث أصبحت أوضاع أوروبا أكثر ملاءمة لتحقيق وحدتها، و قد انصرفت روسيا بعد الحرب إلى الاهتمام بشؤونهما الداخلية، و أهملت شؤون القارة إلى حد ما، يضاف إلى ذلك أن ما حدث في الحرب من بؤس و عذاب و أمراض أثارت الرأي العام الأوروبي، و ساعد ذلك فيما بعد على ظهور منظمة الصليب الأحمر، كما أن البيان الذي صدر عن مؤتمر باريس 1856 وضع الأسس والقواعد الدولية للحصار البحري، ونص على تحريم القرصنة.
    وفي النهاية يتبين أن العامل الديني لم يكن عاملا أساسيا في نشوب حرب القرم و إنما كان ذريعة اتخذتها روسيا لإعلان الحرب ضد الدولة العثمانية، من اجل تحقيق أطماعها داخل أقاليم هذه الدولة، فقامت بعرض مشروع تقسيم أملاك الدولة العثمانية على فرنسا وبريطانيا، لكن هاتين الدولتين رفضتا المشروع الروسي، ليس من منطلق مساندة الدولة العثمانية والمحافظة على أملاكها، إنما كان مبنيا على رغبة بريطانية و فرنسية في الإبقاء على الدولة العثمانية ضعيفة، حتى يتسنى لهما السيطرة على الأقاليم الخاضعة لها في مراحل قادمة.
    [/size]
    تم بحمد الله

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 30, 2014 8:10 pm